أ.د. إبراهيم محمد مرجونة يكتب: عبثية اعتقال مادورو

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو حدثًا قانونيًا بحتًا، ولا حتى ذروة صراع داخلي كما أُريد له أن يبدو، بل كان مرآة صافية لنظام دولي فقد قدرته على التمييز بين العدالة والهيمنة.
ففي اللحظة التي وُضعت فيها الأصفاد في يد رئيس دولة، لم يُعتقل شخص بقدر ما كُشفت بنية كاملة تُدار بمنطق الانتقاء: تُجرِّم من تشاء، وتُحصِّن من تشاء، وتُعيد تعريف الإجرام وفق خرائط النفوذ لا وفق معايير الأخلاق.
العبثية هنا ليست في مادورو، ولا في سجله السياسي وحده، بل في المسرح الذي أُخرج فيه الاعتقال. عالمٌ يغضّ الطرف عن حروب أُبيدت فيها مدن بأكملها، وعن أنظمة مارست القتل والتجويع والتهجير علنًا، فقط لأنها أدّت وظيفتها داخل منظومة الهيمنة.
عالمٌ لا يرى الجريمة جريمة إلا حين تقع خارج الطاعة، ولا يسمّي الدم دمًا إلا حين يسيل من خارج الحلف، بهذا المعنى، لم يكن اعتقال مادورو إعلانًا لانتصار القانون، بل تأكيدًا لانكساره.
فالقانون الذي يُفترض أن يكون أعمى، بات يرى جيدًا… يرى لون التحالف، ويشمّ رائحة المصالح، ويُصغي لصوت الأسواق أكثر من أنين الضحايا.
إن أخطر ما في هذا الاعتقال أنه قُدِّم بوصفه فعلًا أخلاقيًا، بينما هو في جوهره فعل تأديبي.. تأديب لمن خرج عن النموذج، لا لمن انتهك الإنسان، فالرسالة لم تُوجَّه إلى مادورو وحده، بل إلى كل دولة تفكّر في الانفصال عن المسار المرسوم لها: العقاب ليس نتيجة الجريمة، بل نتيجة العصيان، وهنا تنقلب السياسة إلى محكمة، والمحكمة إلى أداة ردع، وتتحول العدالة إلى لغة تهديد ناعمة.
وفي مقابل هذه الصرامة المفتعلة تجاه مادورو، يقف صمت ثقيل أمام إجرام أوضح وأكثر دموية، قادة تُدمَّر في عهدهم دول، وتُمحى مجتمعات، وتُشرعن المجازر بقرارات دولية، لا يقترب منهم القضاء، ولا تُرفع في وجوههم شعارات حقوق الإنسان. ليس لأنهم أبرياء، بل لأنهم صنائع النظام العالمي، وقطع أساسية في ماكينة الهيمنة، فالإجرام، حين يكون مُنتجًا داخل المصنع الصحيح، يتحول إلى “أخطاء مؤسفة”، أو “تجاوزات فردية”، أو “ضرورات المرحلة”.
الإعلام، بدوره، لم يكن سوى أداة تلميع لهذا الانقسام الأخلاقي، فاعتقال مادورو جرى تضخيمه باعتباره لحظة خلاص، فيما جرى تعتيم طويل على الحصار، وعلى الخنق الاقتصادي، وعلى تحويل حياة شعب بأكمله إلى ورقة ضغط، لقد قُدِّم الرئيس كأصل الداء، وكأن الأزمة وُلدت معه، وكأن رفعه من المشهد سيعيد تلقائيًا الخبز والدواء والكرامة، هذا التبسيط ليس جهلًا، بل تبسيط مقصود، لأنه يُريح الضمير العالمي من مواجهة مسؤوليته.
العدالة، في هذا السياق، لم تعد تسأل عن الضحايا، بل عن جدوى العقاب سياسيًا. لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن الأثر. هل يخدم الاعتقال إعادة ترتيب المشهد؟ هل يرسل رسالة ردع؟ هل يُرضي جمهورًا غاضبًا؟ أما السؤال الجوهري: هل يُنصف الإنسان؟ فقد خرج منذ زمن من جدول الأعمال.
والمفارقة أن هذا كله يجري باسم الديمقراطية، في حين أن الديمقراطية ذاتها تُفرَّغ من معناها، فالشعوب لا تُستشار، بل يُتحدَّث باسمها. تُستَخدم معاناتها كذريعة، لا كقضية، وحين يُسأل العالم عن صمته إزاء الإجرام الحقيقي، يكون الجواب دائمًا جاهزًا: “الظروف معقّدة”، “التوازنات دقيقة”، “الواقع لا يحتمل المثالية”، وهي عبارات لا تعني شيئًا سوى أن الهيمنة أهم من العدالة.
قد يكون مادورو مسؤولًا عن أخطاء جسيمة، وقد يكون جزءًا من مأزق عميق، لكن اعتقاله بهذا المنطق لا يفتح باب الإصلاح، بل يُغلقه، لأنه يرسّخ قاعدة خطيرة: ليس المهم ماذا تفعل، بل لمن تعمل. ليست الجريمة في الفعل، بل في الموقع.
وهنا، تحديدًا، تبلغ العبثية ذروتها. عالمٌ يدّعي محاربة الإجرام، بينما يحمي أكثر أشكاله تنظيمًا. عالمٌ يُسقط أشخاصًا ليُبقي البُنى، ويُغيّر الوجوه ليحافظ على منطق السيطرة ذاته. عالمٌ لا يسعى إلى عدالة شاملة، بل إلى إدارة ذكية للظلم.
وفي هذا العالم، لا يصبح اعتقال مادورو حدثًا استثنائيًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من تقديس القوة، وتجريم الضعف، وتزييف الأخلاق. سلسلة لا تنتهي بالسجون، بل تبدأ منها.
في النهاية، لا يبدو اعتقال مادورو خطوة نحو عالمٍ أكثر عدلًا، بل علامة إضافية على عالمٍ فقد بوصلته الأخلاقية، وصار يُجيد معاقبة الرموز أكثر من معالجة الجذور، عالمٍ يُسقط رؤوسًا ليُبقي البنية، ويغيّر الوجوه ليحافظ على المنطق ذاته.






