تحقيقات وتقاريرعام

صلاح رشاد .. يكتب : الملك العضوض والأثمان الباهظة (18)

ثورة يزيد بن الوليد

كان يزيد بن الوليد بن عبدالملك من أقوى أعداء الوليد بن يزيد بن عبدالملك من الأمراء الأمويين الصغار، الذين لم تحنكهم التجارب، فزَيَّنَ يزيد لهم الثورة على الوليد وأقنعهم بآرائه، ومالوا إليه لما كان يُظهر من الورع والتواضع، وأيدوا خطته ومطامعه؛ فعملوا على القرب من يزيد إرضاءً لغرورهم وكبريائهم، أو بحثًا عن الوجاهة، أو انتقامًا من الوليد؛ لأنه أهملهم وأبعدهم واستهان بهم.

أما الأمراء الأمويون الكبار، فإنهم لم ينجحوا في إزالة أسباب الفرقة واستئصال جذور الفتنة لعوامل مختلفة، منها ما يعود إلى بُعْدِ بعضهم، وتَسَتُّر العباس بن الوليد بن عبد الملك على أخيه يزيد، ومنها خبث يزيد ودهائه ومراوغته ومخادعته لأخيه العباس كلما ردعه، ومضيه في العمل والتخطيط واستقطاب الأنصار سرًا، ومنها استبداد الوليد بن يزيد برأيه.

كما تذمَّرت أيضا القبائل اليمنية بالشام والعراق، وكان زعماؤهم قد بدأوا يضجون بالشكوى من بني أمية، منذ نهاية القرن الأول بعد سحق عبد الملك بن مروان لعبد الرحمن بن الأشعث الكندي (كانت أعنف ثورة واجهت الحجاج خلال ولايته الطويلة علي العراق وكادت أن تقضي عليه) ، ثم ازدادوا غضبا على بني أمية في بداية القرن الثاني عندما نكب يزيد بن عبد الملك المهالبة (أبناء المهلب بن أبي صفرة ) وكاد يفنيهم.

وتنامى حقد اليمنية في أواخر أيام هشام، حين أقصى خالدً بن عبدالله القسري سيد اليمنية عن ولاية العراق، وتَصَدَّى الوليد بن يزيد لخالد ؛ لأنه قاوم رغباته السياسية فسجنه، وكان قتل يوسف بن عمر الثقفي لخالد خاتمة النكبات التي حاقت باليمنية، وبعثتهم على التدبير المتقَن لخلع الوليد واغتياله، ثأرًا لدماء زعمائهم المراقة، وكرامتهم المهدرة وسلطتهم الضائعة، ولبلوغ ذلك، لجأ اليمنية في الشام إلى وسيلتين:

الأولى: إعلامية دعائية تحريضية، قصدوا منها استفزاز أبناء عشائرهم، وإشعال حميتهم بإثارة العصبية القبلية بينهم وبين القيسية.

وأما الوسيلة الثانية فهي التخطيط السري المنظم للثورة على الوليد، فجعلوا يبحثون عن زعيم يثقون به، فوجدوا ضالتهم في يزيد بن الوليد بن عبد الملك، إذ كان حانقًا على الوليد مثلهم، ويبحث عن أنصار مخلصين له، فوجد كل منهما بغيته في الآخر.

وزاد من اطمئنان اليمنية إليه أنه كان متزوجًا امرأة منهم اسمها هند بنت زبان الكلبي، فأتاه رؤساء اليمنية وفاوضوه في خلع الوليد والمبايعة له بالخلافة.

وممن انضم إلى حركة يزيد بن الوليد الذين يدينون بمذهب القدرية، وكان يزيد -فيما ذكر بعض المؤرخين- يدين بهذا المذهب الضال.

(القدرية باختصار فرقة كلامية تعدّ من أول الفرق الإسلامية المخالفة وظهرت في بداية عهد عمر بن عبد العزيز، وأول من أسسها غيلان القدري وقد قتله الخليفة هشام بن عبد الملك وصلبه على أبواب الشام، والقدرية مفهوم يرى أن الله لا يعلم شيئا إلا بعد وقوعه وأن الأحداث بمشيئة البشر وليست بمشيئة الله، وتقول: لا قدر والأمر أنف أي مستأنف، وهو نفي لعلم الله السابق، وأن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد حدوثها.

(كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا )

و أول من قال بالقدر هو معبد الجهني البصري في آواخر عهد الصحابة، وأخذ عنه غيلان الدمشقي، وقد تبرأ منهم من سمع بهم من الصحابة كعبد الله بن عمر وأبو هريرة وابن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن أوفى وعقبة بن عامر الجهني وغيرهم.

في صحيح مسلم قال يحيى بن يعمر: كان أول من قال بالقدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم فسألنا عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويطلبون العلم، ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، قال عبدالله : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.

نعود الي الوليد بن يزيد والأحداث الملتهبة التي تحيط به، فقد تحالف بعض الأمراء الأمويون مع القبائل اليمنية إضافة إلي أنصار مذهب القدرية، ما جعل الأمور تسير في طريق الصراع الدموي الذي لم يتعامل معه الوليد بن يزيد بقوة وحزم من البداية، فكانت النهاية المأساوية التي وضع خطتها يزيد بن الوليد ليقضي علي ابن عمه ويصل إلي الخلافة.

فماذا فعل هذا الداهية ؟

نجيب في الحلقة المقبلة إن شاء الله .

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى