في تصريح يعكس حذراً إيرانياً تجاه المسار الدبلوماسي الراهن، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، أن الحكم على المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران لا يمكن أن يصدر إلا بعد التوصل إلى نتائج واضحة وملموسة. ويأتي هذا التصريح في خضم جولات تفاوضية غير مباشرة تشهدها العاصمة النمساوية فيينا، بهدف إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، والذي شهد انتكاسة كبيرة بانسحاب الولايات المتحدة منه في عام 2018.
تُشكل هذه المحادثات، التي تتوسط فيها الأطراف الأوروبية وروسيا والصين، محاولة جادة لإعادة واشنطن إلى الاتفاق ورفع العقوبات المفروضة على طهران، في المقابل عودة الأخيرة لالتزاماتها النووية. وقد بدأت هذه الجولة الدبلوماسية المعقدة عقب وصول الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس جو بايدن إلى سدة الحكم، والتي أبدت استعدادها للعودة إلى الاتفاق شريطة التزام إيران ببنوده. غير أن المسافة بين الطرفين لا تزال كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتسلسل الخطوات وإجراءات التحقق.
في هذا السياق، شهدت العلاقات بين طهران وواشنطن توتراً غير مسبوق بعد الانسحاب الأمريكي الأحادي من الاتفاق النووي في عهد الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران. ردت طهران على ذلك بالبدء في تقليص التزاماتها النووية تدريجياً، بما في ذلك زيادة تخصيب اليورانيوم وتطوير أجهزة طرد مركزي متقدمة، ما أثار مخاوف دولية بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني. هذه الخطوات الإيرانية، وإن كانت طهران تؤكد أنها قابلة للتراجع، إلا أنها أضافت طبقات من التعقيد للمشهد التفاوضي الحالي.
تتجاوز تداعيات هذه المحادثات مجرد الملف النووي، لتشمل أبعاداً إقليمية ودولية أوسع. فنجاح المفاوضات قد يفتح الباب أمام تخفيف حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط، ويساهم في استقرار أسواق الطاقة العالمية. في المقابل، يثير فشلها احتمالية تصعيد التوترات، وربما اللجوء إلى خيارات أخرى قد تكون لها عواقب وخيمة. الأطراف الإقليمية، لا سيما إسرائيل وبعض دول الخليج العربي، تراقب هذه التطورات بقلق، حيث تعتبر أن الاتفاق النووي الأصلي لم يعالج بشكل كافٍ مخاوفها بشأن برنامج إيران الصاروخي ونفوذها الإقليمي.
وبينما يتواصل الحراك الدبلوماسي في فيينا بوتيرة حذرة، يبقى مصير الاتفاق النووي معلقاً بمدى قدرة الأطراف على تجاوز الخلافات الجوهرية وبناء الثقة المفقودة. إن تصريحات عراقجي الأخيرة تؤكد أن إيران تنتظر رؤية خطوات عملية وملموسة على الأرض قبل إصدار أي حكم نهائي على جدوى هذه المفاوضات، في مشهد لا تزال تتشابك فيه المصالح والرهانات الدولية المعقدة.