إيمان مكاوى .. تكتب: إدارة الملف الثقافى فى مصر

من سؤال “من يدير؟” إلى سؤال “لماذا وكيف ولأي غاية؟”
إذا كانت السياسة هي فن إدارة الممكن، فإن الثقافة هي فن تعريف الممكن أصلًا. فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة على الأرض أو إدارة الموارد، بل بقدرتها على إنتاج المعنى، وصياغة الخيال الجمعي، وبناء سردية متماسكة تفسّر للناس من هم، ولماذا يعيشون معًا، وإلى أين يمضون.
من هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي حول إدارة الملف الثقافي في مصر لا ينبغي أن يبدأ بـ«وزارة الثقافة» ولا أن ينتهي عند «عدد الفعاليات»، بل يجب أن ينطلق من إدراك أعمق:
أن الثقافة ليست قطاعًا إداريًا، بل بنية سيادية ناعمة، وأن من يفشل في إدارتها، يترك المجال مفتوحًا لقوى التفكك، والسطحية، والتطرف، أو الاستلاب.
منذ تأسيس وزارة الثقافة المصرية عام 1958، وُلدت الفكرة في سياق دولة مركزية حديثة، ترى في الثقافة أداة توحيد وتعبئة وبناء هوية وطنية واحدة في مواجهة الاستعمار والتجزئة. كان هذا منطقيًا في لحظته التاريخية. لكن المعضلة الكبرى أن المنطق نفسه استمر دون مراجعة، رغم أن المجتمع تغيّر جذريًا، وأن الدولة نفسها انتقلت – نظريًا على الأقل – من دولة التعبئة إلى دولة التنمية.
اليوم، تحاول الدولة المصرية أن تتحدث بلغة “رؤية 2030”، لغة الاقتصاد الإبداعي، والحوكمة، والاستدامة، وبناء الإنسان. لكن المفارقة البنيوية أن الجهاز الثقافي ما زال يعمل بذهنية خمسينيات القرن الماضي: مركزية القرار، أحادية تعريف الثقافة، الخلط بين الرعاية والرقابة، وبين التنظيم والإنتاج، وبين الدولة والمجتمع.
وهنا تظهر الإشكالية الكبرى:
الدولة تتعامل مع الثقافة كأنها محتوى يُدار، بينما هي في حقيقتها عملية اجتماعية حية لا تُدار بالأوامر، بل بالأطر، ولا تُنتج بالقرار، بل بالثقة.
الملف الثقافي في مصر اليوم لا يعاني من نقص المبادرات، بل من غياب الرؤية الجامعة. لا يعاني من قلة المؤسسات، بل من تداخل أدوارها. لا يعاني من ضعف الكوادر، بل من غياب الاعتراف بوظيفة “الفاعل الثقافي” كدور مهني مستقل له منطق مختلف عن منطق الموظف الإداري.
في الدول التي نجحت في إدارة الثقافة – من فرنسا إلى كوريا الجنوبية – حُسم سؤال جوهري مبكرًا:
الدولة لا تُنتج الثقافة، بل تحمي شروط إنتاجها.
ولا تفرض المعنى، بل تضمن تعدده داخل إطار جامع.
ولا تقيس النجاح بعدد الفعاليات، بل بمدى تأثيرها على الوعي، والذوق، والانتماء، والاقتصاد.
أما في الحالة المصرية، فما زالت الثقافة تُدار باعتبارها هامشًا تجميليًا أو ملفًا تهدويًا، لا باعتبارها ركيزة استراتيجية للأمن الثقافي، ولا باعتبارها استثمارًا طويل الأمد في الإنسان.
الأخطر من ذلك، أن الدولة لم تطوّر حتى الآن أدوات حقيقية لقياس الأثر الثقافي. فلا توجد مؤشرات واضحة لقياس:
هل تغيّر وعي الجمهور؟
هل اتسعت دوائر المشاركة؟
هل تقلّصت الفجوة بين المركز والأقاليم؟
هل أصبح الشباب منتجين للمعنى أم مجرد مستهلكين له؟
ومن دون هذا القياس، تتحول الثقافة إلى نشاط شكلي، وتتحول المؤسسات الثقافية إلى هياكل تكرر ذاتها، وتفقد تدريجيًا صلتها بالمجتمع.
إن إدارة الملف الثقافي في مصر تحتاج اليوم إلى تحول فلسفي قبل أن يكون إداريًا. تحول يعيد تعريف الثقافة باعتبارها مجالًا عامًا مشتركًا، لا ملكية حصرية للدولة، ولا ساحة مفتوحة للفوضى. تحول يعيد تعريف دور الدولة من “الوصي” إلى “الحَكَم”، ومن “المنتج” إلى “المنظّم”، ومن “المركز المتحكم” إلى “العقدة المنسقة”.
كما تحتاج إلى شجاعة سياسية للاعتراف بأن المركزية الثقافية لم تعد فعالة، وأن مصر بتنوعها الاجتماعي والجغرافي لا يمكن إدارتها ثقافيًا من مكتب واحد، أو خطاب واحد، أو ذائقة واحدة.
المستقبل الثقافي لمصر لن يُبنى عبر المزيد من الفعاليات، بل عبر: بناء مؤسسات تفهم دورها، وإطلاق طاقات المجتمع، وخلق شراكة حقيقية بين الدولة والتعليم والإعلام والقطاع المستقل، ووضع الثقافة في قلب مشروع الدولة، لا على هامشه.
في النهاية، الدولة التي لا تعيد التفكير في إدارتها للثقافة، ستجد نفسها يومًا ما قوية في الشكل، لكنها هشة في المعنى.
ومعنى الدولة، في التاريخ، هو آخر ما يسقط… وأصعب ما يُعاد بناؤه.






