عبدالرحمن أبوزكير يكتب: من قنا إلى البحيرة.. حكاية واحدة على ضفاف النيل
حين تأتي من أقصى جنوب مصر إلى شمالها، قد تظن أن المسافة بين قنا والبحيرة كافية لتصنع اختلافًا كبيرًا بين الناس والأماكن، لكن النيل الذي يجمع المصريين من المنبع إلى المصب يعرف كيف يترك ملامحه المشتركة على الجميع.
من قنا، حيث عمق الصعيد الجواني، إلى البحيرة في أقصى الشمال، تبدو الجغرافيا مختلفة، لكن الروح واحدة؛ كرم أهل، وارتباط بالأرض، واعتزاز بالعادات والتقاليد، وإحساس عميق بأن المكان ليس مجرد عنوان، وإنما جزء من شخصية أهله.
وربما لهذا السبب شعرت، خلال زيارتي للبحيرة، أنني أمام مكان أعرفه من قبل، رغم أنني لم أزره إلا مرة واحدة، فهناك تفاصيل لا تحتاج إلى وقت طويل لاكتشافها، وملامح إنسانية تتجاوز اختلاف اللهجة والموقع، وتعيدك إلى ما تعرفه في قنا؛ الناس، والأرض، والنيل، وحكايات الأجداد التي تنتقل من جيل إلى آخر.
ولعل أجمل ما يجمع قنا والبحيرة أن لكل منهما صفحة مضيئة في تاريخ المقاومة الوطنية. فقنا، التي أنتمي إليها، شهدت معركة البارود عام 1799 في مواجهة الحملة الفرنسية، وسطر أبناؤها واحدة من صفحات المقاومة الشعبية للاحتلال. وفي البحيرة، كانت رشيد على موعد مع ملحمة أخرى، عندما تصدى أهلها للحملة الإنجليزية بقيادة فريزر عام 1807، ونجحوا في إلحاق الهزيمة بها.
اختلف المحتل، واختلفت الظروف، وتباعدت السنوات، لكن الروح واحدة؛ أبناء أرض يتمسكون بوطنهم ويدافعون عنه عندما يتعرض للخطر.
ومن هنا تبدو المقارنة بين قنا والبحيرة أكثر من مجرد تشابه في التاريخ، فهي تعكس جانبًا من الشخصية المصرية التي صنعتها القرى والمدن الممتدة على ضفاف النيل.
لكن حكاية البحيرة لا تتوقف عند صفحات الماضي، فالمحافظة التي تحتفل بعيدها القومي بذكرى انتصار رشيد، تعيش اليوم فصلًا جديدًا من حكايتها، عنوانه التنمية وبناء الإنسان وتحسين جودة الحياة في الجمهورية الجديدة تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي.
خلال السنوات الأخيرة، شهدت البحيرة افتتاح وتنفيذ مشروعات جديدة في قطاعات مختلفة، شملت الصحة والتعليم والطرق ومياه الشرب والصرف الصحي والشباب والرياضة، إلى جانب تطوير البنية الأساسية ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وتأتي مبادرة «حياة كريمة» في مقدمة المشروعات التي غيرت ملامح عدد كبير من القرى، من خلال تطوير الخدمات الأساسية وتحسين البنية التحتية، بما يجعل التنمية أكثر قربًا من المواطن، ويضع احتياجات القرية في قلب عملية التطوير.
وفي الوقت نفسه، تظل الأرض الزراعية إحدى أهم علامات شخصية البحيرة، فالمحافظة تمتلك مقومات زراعية وإنتاجية كبيرة، وتشارك بقوة في توفير احتياجات السوق المصرية من المحاصيل والمنتجات الزراعية، وهو ما رسخ مكانتها كواحدة من أهم المحافظات الزراعية، لتستحق عن جدارة وصف «سلة غذاء مصر».
وهنا تتكامل الصورة؛ أرض تحمل ذاكرة المقاومة، وفلاح يحافظ على خيراتها، ومشروعات جديدة تمتد إلى القرى والمدن، وأجيال تتطلع إلى مستقبل أفضل.
وربما كان هذا هو أكثر ما شعرت به خلال زيارتي للبحيرة؛ أنني لم أكن أمام محافظة بعيدة عن قنا كما توحي المسافة، وإنما أمام مكان تتقاطع معه في الكثير من التفاصيل، من طبيعة الناس وارتباطهم بالأرض، إلى الاعتزاز بالتاريخ والقدرة على مواجهة التحديات.
من معركة البارود في قنا إلى ملحمة رشيد في البحيرة، ومن مقاومة الحملات الأجنبية بالأمس إلى مشروعات التنمية وحياة كريمة اليوم، تتغير المعارك ويبقى الانتماء للأرض والوطن حاضرًا.
وفي عيدها القومي، لا تحتفل البحيرة فقط بذكرى انتصار سطره أبناؤها قبل أكثر من قرنين، وإنما تحتفل أيضًا بما تشهده اليوم من إنجازات ومشروعات، لتظل حكايتها مفتوحة على المستقبل، كما ظلت دائمًا جزءًا أصيلًا من حكاية مصر.
وفي هذه المناسبة، أتوجه بالتهنئة إلى أهالي البحيرة، وإلى كل أبنائها، بمناسبة عيدها القومي، متمنيًا للمحافظة وأهلها مزيدًا من التقدم والازدهار، وأن تظل البحيرة دائمًا أرضًا للعطاء وركنًا أصيلًا من أركان مصر، تكتب كل يوم فصلًا جديدًا في حكايتها على ضفاف النيل.

اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟