مقالات

جويد عرفات جويد يكتب: مصر صانعة التوازن الإقليمي.. من رسالة ترامب إلى هندسة السلام في غزة

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تعود مصر لتأكيد موقعها كركيزة استقرار لا غنى عنها، ليس فقط بحكم الجغرافيا، وإنما بوزن الدولة وقدرتها على إدارة الملفات المعقّدة بحكمة واتزان، وهو ما عكسته بوضوح رسائل وخطابات سياسية رفيعة المستوى، وتحركات مؤسسية محسوبة بدقة.

رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي لم تكن مجرّد إشادة دبلوماسية تقليدية، بل حملت اعترافًا صريحًا بالدور المصري المحوري في وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وفي احتواء تداعيات واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها المنطقة منذ سنوات. الأهم أن الرسالة ربطت بين هذا الدور وبين الاستعداد الأمريكي لإعادة الانخراط في ملف سد النهضة، إدراكًا لحساسية قضية نهر النيل بوصفها مسألة وجودية للدولة المصرية، لا تقبل المساومة أو الحلول الشكلية.

تقدير واشنطن للدور المصري في غزة، وإقرارها بأن الحرب أثقلت كاهل المصريين، يكشف حجم الأعباء التي تتحملها القاهرة دفاعًا عن استقرار الإقليم، ليس فقط على حدودها، بل في عمق القضايا العربية والإفريقية. وهو ما يفسر حرص الرئيس السيسي، في رده على الرسالة، على التأكيد على ثوابت الموقف المصري: التعاون، واحترام القانون الدولي، وعدم الإضرار بحقوق الآخرين، مع تمسك كامل بحقوق مصر التاريخية في مياه النيل.

هذا الثقل السياسي والدبلوماسي لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى بنية مؤسسية صلبة، تتجلى في أدوار أجهزة الدولة السيادية، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة. ويأتي اختيار اللواء حسن رشاد، رئيس المخابرات المصرية، عضوًا في مجلس السلام المعني بقطاع غزة، ليعكس حجم الثقة الإقليمية والدولية في الكفاءة المصرية، وقدرتها على إدارة ملفات الصراع والتسوية في آن واحد.

وجود رئيس المخابرات المصرية داخل مجلس معني بالسلام في غزة يحمل دلالات عميقة؛ فهو اعتراف بأن مصر ليست مجرد وسيط، بل طرف ضامن وقادر على تحويل التهدئة المؤقتة إلى مسار سياسي أكثر استدامة. كما يربط بين الدور الأمني الاحترافي، والرؤية السياسية الأوسع التي تتبناها الدولة المصرية في التعامل مع أزمات المنطقة.

من خطاب ترامب الذي يشدد على رفض السيطرة الأحادية على موارد النيل، إلى موقف السيسي الثابت في الدفاع عن الأمن المائي، وصولًا إلى الحضور المصري الفاعل في ترتيبات السلام بغزة، تتكامل الصورة: دولة قوية، تعرف كيف توظف أدواتها السياسية والأمنية والدبلوماسية في لحظة إقليمية فارقة.

إنها رسالة واضحة بأن قوة مصر لم تعد تُقاس فقط بقدراتها العسكرية، بل بقدرتها على صناعة السلام، وحماية مصالحها الاستراتيجية، وفرض منطق العقل في إقليم لا يزال يعج بالصراعات.

● كاتب المقال: عضو نموذج محاكاة مجلس الشيوخ المصري

 

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى