اخبار عالمية

جزيرة إبستين..حين يتحول المال والسلطة إلى شبكة مغلقة من الصمت

لم تكن جزيرة إبستين مجرد قطعة أرض معزولة في البحر الكاريبي، بل تحولت مع الوقت إلى رمز عالمي للغموض واستغلال النفوذ وصمت السلطة. جزيرة صغيرة المساحة، لكنها فتحت بابًا واسعًا للتساؤلات حول كيف يمكن للمال والقوة أن يصنعا شبكة مغلقة من الحماية، وكيف تتحول الجريمة من فعل فردي إلى قضية رأي عام تهز الثقة في العدالة نفسها.

من هو جيفري إبستين؟

جيفري إبستين رجل أعمال أمريكي، ارتبط اسمه بشبكة علاقات واسعة شملت سياسيين، ورجال أعمال، وشخصيات عامة. امتلك جزيرة خاصة، استخدمها – وفق التحقيقات – في استضافة شخصيات نافذة، وتحولت لاحقًا إلى مسرح لاتهامات خطيرة تتعلق بالاستغلال الجنسي لقاصرات.

القضية لم تكن مجرد جريمة فردية، بل شبكة معقدة امتزج فيها المال بالسلطة.

اللافت في قضية إبستين لم يكن فقط حجم الجرائم المزعومة، بل طول فترة الصمت المحيطة بها. فعلى مدار سنوات، ظلت الشبهات تُتداول في نطاق ضيق، بينما استمر المتهم في التحرك بحرية داخل دوائر الصفوة. ومن المرجح أن المجتمع في مثل هذه القضايا يميل إلى غض الطرف عندما يكون المتهم قويًا، إذ تخلق المكانة الاجتماعية نوعًا من الحصانة غير المعلنة، ويصبح صوت الضحية أضعف أمام الأسماء الكبيرة والنفوذ الواسع.

في الواقع، تصريحات وتصرفات الجهات الرسمية في ملف إبستين دفعت عددًا من الناجيات إلى التعبير عن استياء واضح من مسار العدالة، معتبرات أن ما كُشف حتى الآن لا يعكس حجم ما جرى، ولا يقدم إجابات كافية حول شبكة العلاقات المحيطة بالمتهم. هذا الإحساس بعدم الاكتمال جعل القضية، بالنسبة لهن، مفتوحة على جرح لم يُغلق، وأسهم في ترسيخ شعور بأن النفوذ ما زال قادرًا على تعطيل الحقيقة، حتى بعد سقوط الشخص المتهم نفسه.

طرحت القضية أسئلة شديدة الحساسية حول العلاقة بين السلطة والعدالة. تأخر المحاسبة، والتسويات القانونية التي وُصفت بالمخففة، وظهور أسماء لشخصيات نافذة ضمن دائرة معارف إبستين، كلها عوامل غذت الشكوك بأن السياسة لم تكن بعيدة عن مسار القضية، فتدخل النفوذ مع الجريمة غالبًا ما يؤدي إلى عدالة انتقائية، تُطبق على الضعفاء وتتعثر أمام الأقوياء.

من زاوية دينية وأخلاقية، كشفت قضية جزيرة إبستين عن سقوط واضح لمنظومة القيم عندما يغيب الرادع. استغلال الضعفاء، وتبرير الانتهاكات بالقوة أو النفوذ، وتحويل الإنسان إلى وسيلة، كلها مظاهر تتناقض مع أبسط المبادئ الأخلاقية. فمثل هذه القضايا مثال صارخ على كيف يفسد المال الضمير حين لا يجد من يوقفه، من المؤكد أن العدالة في جوهرها لا تعرف التمييز، وأن غياب المحاسبة لا يعني غياب الذنب.

جاءت وفاة جيفري إبستين داخل محبسه لتضيف طبقة جديدة من الغموض بدلاً من أن تغلق الملف. الوفاة التي صُنفت رسميًا كحالة انتحار لم تُنهِ الجدل، بل فتحت بابًا أوسع للتساؤلات، وتركت العديد من علامات الاستفهام حول من حماه طوال تلك السنوات، ومن تضرر بسقوطه، ولماذا لم تُكشف كل الخيوط المرتبطة بالقضية حتى الآن؟

في النهاية، لم تعد جزيرة إبستين مجرد مكان جغرافي، بل تحولت إلى رمز لقصة أكبر تتعلق ببطء العدالة، وسطوة النفوذ، وصمت المجتمع. قضية تذكّر بأن أخطر الجرائم ليست فقط تلك التي تُرتكب في الخفاء، بل أيضًا تلك التي تستمر لأن كثيرين اختاروا الصمت.

آية غنيم

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى