محمد جرامون يكتب: جزيرة الشيطان بين المتعة الحرام وابتزاز الكبار

بين ليلة وضحاها أصبحت جزيرة ليتل سانت جيمس أو ما يُطلق عليها (جزيرة إبستين) الواقعة في البحر الكاريبي محط أنظار وحديث العالم أجمع، والتي لم تكن مجرد منتجع فاخر وجزيرة خاصة معزولة كغيرها من الجزر، بل كانت مسرحاً مغلقاً لجرائم منظمة ولقاءات مشبوهة جمعت بين المال والسلطة والابتزاز، وكانت ملاذاً آمناً لأخطر شبكات الفساد الأخلاقي والسياسي في العصر الحديث.
هذه الجزيرة الصغيرة شهدت لقاءات ودونت أسراراً قادرة على إسقاط دول، وفضح نُخَب، وإزالة أقنعة احتمت بالسلطة والمال والنفوذ، ولا شك أن ما كشفت عنه التحقيقات والوثائق لدى وزارة العدل الأمريكية في تلك القضية والتي قُدرت حتى الآن بـ (٣.٥ مليون صفحة، و٢٠٠٠ فيديو و١٨٠ ألف صورة) ليس مجرد سقطات أخلاقية لنخبة انحرفت فطرتها وفقدت إنسانيتها من خلال الاعتداء الجنسي على القاصرات، ولكنه يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود هيكل تنظيمي عالمي يعتمد الرذيلة كدستور للحكم، والابتزاز كأداة للسيطرة، وأن اللاعب الأساسي إبستين ما هو إلا سمسار ووسيط وعميل لهذا الهيكل والذي يُدار بعقلية استخباراتية، فالعلاقات المشبوهة لم تكن تُترك للصدفة؛ بل كانت توثق، وتسجل، وتخزن بعناية من خلال كاميرات مخفية في كل مكان، وكذلك تسجيل شهادات للضحايا بما فعلته معهم تلك النخبة، فكل شيء مُعد جيداً وجاهز ليصبح ورقة ضغط عند الحاجة، وهنا يتحول ممارسة البغاء من واقعة فردية إلى أداة سياسية.
ومن تطأ قدمُه الجزيرة لن يخرج منها إلا بفضيحة مرصودة ومسجلة، ومن يسقط في الفخ يصبح رهينة لملفات لا تظهر إلا حين يتمرد، أو يخرج عن النص، أو لا يستجيب لأي إملاءات تُفرض عليه، فمن تُم تصويره وتسجيل فضائحه في وضع مُخل سيصبح مثل الدمى، ولا يستطيع الاعتراض على أي قرار، وسيصبح خاضعًا خنوعًا بلا رأي أو رؤية، ولن يكون يومًا صاحب موقف شجاع.
ولا شك أن هذه الفضائح الأخلاقية، التي تورطت فيها النخبة من رؤساء وأمراء وأصحاب نفوذ سياسي وأصحاب مناصب رفيعة وأصحاب ثروات، كشفت أن العالم يعيش رهينة لنظام عالمي فاسد، يستخدم المال والجنس والابتزاز لإدارة السياسة من تحت الطاولة.
وهذا ما يدعو للتساؤل: هل يكون ما يفعله الرئيس الأمريكي ترامب، وهو من بين أكثر المذكورين في تلك الصفحات وله فيديوهات عديدة على تلك الجزيرة تجمعه مع إبستين والعديد من القاصرات، جزءًا من هذا الابتزاز من قبل هذا الهيكل وتلك المؤسسات والاستخبارات الصهيونية؟ فهدمه لغزة وتشريده أهلها ومحاولته السيطرة عليها والقضاء على المقاومة الفلسطينية، ومحاولته هدم إيران والقضاء على برنامجها النووي ثم التراجع بعض الشيء عن هذا الهجوم، هل كان هو أحد الأسباب لإظهار هذا الملف من جديد باعتباره أحد المتورطين الأساسيين فيه؟ وعلى ترامب أن ينفذ ما يُملى عليه وفقًا لما هو مرسوم دون أي اعتراض منه، وإلا فناله الفضيحة والعزل.
والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه: يا هل ترى، كم جزيرة إبستين أخرى تعمل في الخفاء؟ وكم نخبة متورطة فيها وخاضعة للابتزاز؟ وكم ممن يتحكمون ويحركون العالم ويحددون سياساته متورطون في ذلك وما زالوا فوق المحاسبة ويتلاعبون بنا وبمصائرنا؟






