حكاية شعب وإرادة دولة.. السد العالي 66 عامًا من التحدي والبناء

كتب عبدالرحمن أبوزكير
«قلنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي».. لم تكن مجرد كلمات في أغنية، بل تحولت إلى نشيد وطني جسّد روح مرحلة كاملة من تاريخ مصر، حين غنى الفنان الراحل عبد الحليم حافظ لحلم شعب آمن بقدرته على البناء والتحدي. ولا تزال هذه الأغنية، حتى اليوم، حاضرة في الوجدان المصري، يرددها من عاش تلك اللحظات وكان شاهدًا على ملحمة تشييد السد العالي، لتبقى شاهدًا فنيًا على قصة كفاح وطني امتزج فيها الصوت بالإرادة، والفن بالعمل، والحلم بالواقع.

وتأتي هذه الذكرى الوطنية الخالدة اليوم، 9 يناير 2026، بمرور 66 عامًا على وضع حجر الأساس لمشروع السد العالي، أحد أعظم المشروعات القومية في تاريخ مصر الحديث، والذي لم يكن مجرد إنجاز هندسي، بل شكل نقطة تحول كبرى في مسيرة الأمن المائي والغذائي، وحصنًا منيعًا حمى البلاد من أخطار الفيضانات والجفاف، ولا تزال ثماره ممتدة حتى اليوم، شاهدًا حيًا على قدرة الدولة المصرية على تحويل التحديات إلى إنجازات، والأحلام الوطنية الكبرى إلى واقع ملموس.
ويُعد السد العالي أكثر من مجرد مشروع هندسي، بل قصة كفاح شعب، ورمزًا لإرادة وطن قرر أن يمتلك قراره، وأن يكتب تاريخه بيد أبنائه، في واحدة من أهم محطات الصراع من أجل الاستقلال السياسي والاقتصادي.

ملحمة البداية.. حلم ترويض النيل
في 9 يناير 1960، وقف الزعيم الراحل جمال عبد الناصر على أرض أسوان، ليضع حجر الأساس لمشروع السد العالي، إيذانًا ببدء تنفيذ مشروع قومي عملاق، جاء بعد دراسات وأبحاث دقيقة لترويض نهر النيل والاستفادة من مياهه، بما يضمن استقرار الدولة وتنمية مواردها.
لكن فكرة السد لم تكن وليدة اللحظة، بل سبقتها سنوات طويلة من التفكير والتخطيط، فرضتها طبيعة نهر النيل المتقلبة، وما كان يسببه من كوارث سنوية نتيجة الفيضانات، أو أزمات خانقة في سنوات الجفاف.

ما بعد ثورة يوليو.. بداية الحلم الكبير
رحلة بناء السد بدأت بعد أشهر قليلة من ثورة 23 يوليو 1952، حيث تقدم حينها المهندس أدريان دانينوس إلى قيادة الثورة بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان يهدف إلى حجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه.
واتخذ قرار بناء السد العالي في عام 1953 بتشكيل لجنة لوضع تصميم للمشروع، حيث تم وضع التصميم عام 1954 تحت إشراف المهندس موسى عرفة والدكتور حسن زكي، بمساعدة عدد من الشركات العالمية المتخصصة.
وكان المشروع في جوهره تعبيرًا عن رؤية الدولة الجديدة بعد الثورة، التي رأت أن السيطرة على الموارد الطبيعية هي أساس الاستقلال الحقيقي والتنمية الشاملة.

البحث عن التمويل.. صدام الإرادات
وبدأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الاهتمام بفكرة المشروع، خاصة أنه في عام 1954 طرحت شركتان ألمانيتان هندسيتان إمكانية تصميم السد العالي، ومع بدايات حكم الرئيس الراحل، بدأ خطوات إنشاء السد، ليبدأ معها البحث عن ممول لهذا المشروع الضخم، الذي سيتكلف أموالًا طائلة.
وواجهت مصر في ذلك الوقت صعوبة في إيجاد الموارد التي تمكنها من المضي في تنفيذ ذلك المشروع العملاق، ما دفعها للجوء إلى الدول الغربية لمساعدتها من الناحية المالية والفنية والتكنولوجية.

وبالرغم من حاجتها إلى التمويل لاستكمال المشروع، رفضت الحكومة المصرية الشروط التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لأنها كانت شروطًا تمثل خطورة على السيادة المصرية، وتمس استقلال القرار الوطني.
معركة سياسية ودبلوماسية حول السد
وخاضت مصر معركة دبلوماسية مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بجانب البنك الدولي، بعد تراجعهم عن تمويل السد، فقد استخدمت بريطانيا هذا الملف الخاص بتمويل السد من أجل استمرار تدخلها في الشأن المصري، وهو ما رفضه جمال عبد الناصر، الذي أصر على استقرار كامل وتام للدولة المصرية.
وأمام هذا الموقف، قرر عبد الناصر تغيير وجهته إلى الاتحاد السوفيتي، في خطوة تاريخية أعادت رسم خريطة التحالفات الدولية في المنطقة.
تأميم القناة.. القرار الفاصل
ولتوفير الموارد المالية اللازمة لبناء السد العالي، لجأت مصر إلى تأميم قناة السويس في عام 1956، في قرار تاريخي غيّر مسار الصراع مع القوى الاستعمارية، وأكد حق مصر في إدارة مقدراتها.
وبعد تجاوز العدوان الثلاثي، تم توقيع اتفاقية بناء السد العالي عام 1958، ليُوضع حجر الأساس رسميًا في عام 1960، إيذانًا بانطلاق أكبر مشروع هندسي في تاريخ مصر الحديث.

الدعم السوفيتي.. بداية التنفيذ
وفي عام 1958، أعلن الاتحاد السوفيتي توقيع اتفاقية مع مصر ومنحها قرضًا لبناء السد، بـ 100 مليار جنيه، وبعدها تم توقيع اتفاقية توزيع مياه خزان السد بين مصر والسودان، وبدأ العمل في تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع.
وشارك آلاف المهندسين والعمال المصريين جنبًا إلى جنب مع الخبراء السوفيت، في ملحمة عمل غير مسبوقة، جسدت معاني الإخلاص والتفاني.

أعظم مشروع هندسي في القرن العشرين
ويُعد السد العالي من أعظم المشروعات الهندسية في القرن العشرين، حيث نجح في تنظيم إيراد نهر النيل، وتخزين المياه خلف أكبر بحيرة صناعية، ليكون صمام أمان لمصر في مواجهة سنوات الجفاف أو ارتفاع منسوب الفيضانات.

وقد غير السد نمط الحياة الزراعية في مصر، من الاعتماد على الفيضان الموسمي إلى الري الدائم، ما ساهم في زيادة الرقعة الزراعية وتحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي.

مواصفات السد العالي.. أرقام تتحدث
السد العالي هو سد ركامي أقيم على نهر النيل في مدينة أسوان جنوب مصر، يبلغ طوله عند القمة 3830 مترا، منها 520 مترا بين ضفتي النيل ويمتد الباقي علي هيئة جناحين علي جانبي النهر.
يبلغ ارتفاع السد 111 مترا فوق منسوب قاع نهر النيل، وعرضه عند القمة 40 مترا.
حجم جسم السد 43 مليون متر مكعب من إسمنت وحديد ومواد أخرى، ويمكن أن يمر خلال السد تدفق مائي يصل إلى 11 ألف متر مكعب من الماء في الثانية الواحدة.

تقع محطة الكهرباء علي الضفة الشرقية للنيل، معترضة مجري قناة التحويل التي تنساب منها المياه إلي التوربينات، من خلال ستة أنفاق مزودة ببوابات للتحكم في المياه بالإضافة إلي حواجز للأعشاب.
تنتج محطة الكهرباء طاقة كهربائية تصل إلي 10 مليار كيلووات ساعة سنويا.

بحيرة ناصر.. الخزان الاستراتيجي لمصر
وتشكل المياه المحجوزة خلف السد بحيرة صناعية هائلة، وهي بحيرة ناصر، يبلغ طولها 500 كيلومتر ومتوسط عرضها 12 كيلومترا، حيث تغطي منطقة النوبة.
وتبلغ سعة التخزين الكلية للبحيرة 162 مليار متر مكعب من المياه، وسعة التخزين الميت 32 مليار متر مكعب، وتعني عبارة “التخزين الميت” كمية المياه التي لا يمكن نقلها من خلال فتحات السد، حيث تقع هذه الكمية أسفل منسوب فتحات جسم السد.
وتُعد بحيرة ناصر واحدة من أهم مصادر الثروة السمكية، إلى جانب دورها المحوري في تأمين احتياجات مصر المائية.

إرادة شعب.. عرق المصريين يبني المجد
ويمثل السد العالي حكاية شعب تحدى الصعاب، واستطاع بإرادته الصلبة وعرقه وجهده أن يبني هذا الصرح العملاق، الذي أسهم في استقرار الزراعة، ودعم الاقتصاد الوطني، وتوليد الطاقة الكهربائية التي أنارت ربوع الجمهورية.
وقد سقط شهداء خلال أعمال البناء، وخلد التاريخ أسماء آلاف العمال الذين عملوا ليلًا ونهارًا في ظروف قاسية، إيمانًا بأنهم يبنون مستقبل وطن.

من التأسيس إلى الافتتاح.. لحظة الحصاد
وبعد سنوات من العمل المتواصل، تم تغيير مجرى نهر النيل، واستكملت مراحل البناء، ليُفتتح السد العالي رسميًا في 15 يناير 1971 في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء والتنمية لمصر.

ومنذ افتتاحه، لعب السد دورًا حاسمًا في حماية البلاد من موجات الجفاف التي ضربت إفريقيا في السبعينيات والثمانينيات، والتي كانت ستؤدي إلى كوارث إنسانية لولا وجوده.

السد العالي اليوم.. دور مستمر وتطوير دائم
ورغم مرور أكثر من ستة عقود على بدء بنائه، لا يزال السد العالي يؤدي دوره الاستراتيجي، حيث تخضع منشآته لبرامج صيانة وتحديث مستمرة، لضمان كفاءته التشغيلية وسلامته الإنشائية.
كما يظل السد عنصرًا أساسيًا في إدارة الموارد المائية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتعلقة بالمياه، والتغيرات المناخية التي تفرض واقعًا جديدًا على دول حوض النيل.

السد العالي.. أكثر من مشروع
في ذكرى وضع حجر أساسه، يبقى السد العالي رمزًا للسيادة الوطنية، ودليلًا على أن الإرادة السياسية حين تتلاقى مع طموح الشعب، يمكنها أن تصنع المعجزات.
إنه ليس مجرد سد، بل وثيقة تاريخية محفورة في وجدان المصريين، تحكي قصة وطن قرر أن يتحكم في مصيره، وأن يبني مستقبله بيديه.










