
أكد خبراء ومشاركون في ندوة «الأمن المائي: رؤية جديدة للتكامل واستدامة إدارة الموارد في حوض نهر النيل»، التي نظمتها مؤسسة نواة على هامش فعاليات الدورة السابعة والخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، أن الدول الأفريقية باتت على قناعة كاملة بعدالة الموقف المصري إزاء ملف سد النهضة الإثيوبي، وتتفهم السردية المصرية بشأن المخاطر الجسيمة التي يشكلها السد على دولتي المصب.
وأشار المشاركون إلى أن دول القارة تُثمّن المشروعات التنموية التي تنفذها مصر في أفريقيا، والجهود الكبيرة التي تبذلها لدعم الاستقرار وتحقيق التنمية المشتركة، وترسيخ أُسس التعاون الإقليمي، بما يسهم في تعزيز الأمن وتحقيق الخير لشعوب القارة الأفريقية كافة.
وأوضحوا أن المجتمع الدولي يدرك أن نهر النيل يمثل شريان الحياة للشعب المصري، وأن السد الإثيوبي يشكل تهديدًا وجوديًا للأمن المائي المصري، فضلًا عن كونه انتهاكًا صريحًا لقواعد القانون الدولي المنظم لاستخدامات الأنهار العابرة للحدود.
وشدد المشاركون على أن مصر لن تفرّط في قطرة مياه واحدة من حقوقها التاريخية، مؤكدين دعمهم للجهود الرامية إلى إعادة فتح مسار التفاوض، برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يحقق مصالح جميع الأطراف في إطار عادل وملزم.
الدكتورة نهى بكر:العالم يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن المائى
أكدت الدكتورة نهى بكر، المستشارة بمؤسسة نواة، أهمية التعاون بين الدول في قضايا الأنهار والأمن المائي، لارتباطهما الوثيق، لا سيما في مناطق الأنهار العابرة للحدود.
وأوضحت أن تحقيق الأمن المائي يتطلب توافر المياه، وضمان الوصول إليها، والقدرة على تحمل الصدمات، وتحقيق الاستدامة من خلال الإدارة الرشيدة للموارد بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة.
وأشارت إلى أن العالم يواجه تحديات متزايدة تتعلق بالأمن المائي تتمثل في الجفاف والفيضانات والضغط السكاني، موضحة أن الوطن العربي يعد من أكثر مناطق العالم جفافًا ويعتمد على مصادر مائية خارج حدوده، من بينها أنهار عابرة للحدود مثل نهر النيل ودجلة والفرات، ما يخلق توترات إقليمية.
وأبرزت أن ندوة «الأمن المائي: رؤية جديدة للتكامل واستدامة إدارة الموارد في حوض نهر النيل» سعت إلى مناقشة سبل تحقيق الأمن المائي والاستدامة في ظل هذه التحديات.
الترابط الاستراتيجي بين أمن البحر الأحمر ونهر النيل
من جانبه، استعرض السفير محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الترابط الاستراتيجي بين أمن البحر الأحمر وأمن نهر النيل والأمن البحري، باعتبارها ركائز أساسية للتكامل الإقليمي.
وأكد أنه بعد 12 عامًا من التفاوض مع إثيوبيا بشأن ملف المياه، بات من الضروري تبني مقاربة مختلفة، مشددًا على أن أي حوار حول المياه هو في جوهره حوار حول الحياة.
وأوضح أن مصر دولة يغلب عليها الطابع الصحراوي، وأن المياه تمثل قضية وجودية، يجب التعامل معها بالحكمة والرشد، مشيرًا إلى فرص التعاون الإقليمي بين دول حوض النيل، وخاصة مصر والسودان وإثيوبيا، باعتبارها دولًا تشترك في نهر واحد.
ولفت السفير حجازي إلى أن مصر تمتلك إرثًا من الاتفاقيات التاريخية والقانونية المنظمة لاستخدامات مياه النيل، وتؤكد رفضها القاطع لإقامة مشروعات هندسية على مجرى النهر من شأنها الإضرار بمصالحها.
وأكد أن قضايا المياه هي قضايا طويلة الأمد، وأن نهر النيل يجب أن يكون أداة للتجمع والتعاون لا للصراع، باعتباره هبة من الله للدول المتشاطئة جميعًا وليس لدولة واحدة.
وأشار إلى العلاقات الطيبة التي تربط مصر بدول حوض النيل الأبيض، منوهًا بأهمية تعزيز التعاون المشترك في مجالات الربط البري والسككي والمائي لتحقيق التنمية المنشودة، مستعرضًا إسهامات مصر في دعم دول أفريقيا، من بينها المساهمة في إنشاء سدود و خزانات في أوغندا لتوفير المياه والطاقة.
وأكد أن أي عملية تفاوض يجب أن تقوم على مبادئ حسن النية ووضوح الأهداف، بما يسمح بالتوصل إلى حلول مُرضية لجميع الأطراف، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في سوء إدارة الموارد وليس في ندرتها، معتبرًا أن تبني إثيوبيا لهذا المبدأ قد يفتح آفاقًا لحلول مثمرة.
وأوضح أن الموارد المائية تمثل جزءًا من منظومة أوسع للتعاون الإقليمي تشمل الطاقة والنقل والتجارة والاستثمار، مشيرًا إلى أن إثيوبيا، باعتبارها دولة حبيسة، كان بإمكانها الاستفادة من التعاون مع مصر في مجالات المناطق الصناعية والربط الكهربائي، بدلًا من مسارات الصراع.
وشدد السفير حجازي على الارتباط الوثيق بين أمن نهر النيل وأمن البحر الأحمر، معتبرًا أن التوصل إلى تسوية عادلة في هذا الملف سيكون انتصارًا للتعاون الإقليمي، مشيرًا إلى مساهمة مصر في إنشاء خزان مائي في تنزانيا كنموذج يمكن تكراره مع دول أفريقية أخرى، لا سيما في إطار التعاون بمنطقة البحر الأحمر باعتبارها ممرًا للتنمية.
واختتم مساعد وزير الخارجية الأسبق بالتأكيد على أن التعاون والحكمة يمثلان السبيل الأمثل لحل الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة.
الدكتور أيمن عبد الوهاب : السلوك الإثيوبى سلبى فى التعامل مع ملف المياه والمصالح المصرية
قال الدكتور أيمن عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن التعاون المشترك في قضايا المياه يُعد خيارًا حكيمًا ورشيدًا، مشيرًا إلى أن الإشكالية الأساسية بين الدول لا تكمن في ندرة المياه فقط، وإنما في ضعف التعاون والتفاوض، لافتًا إلى أن قضية المياه تجاوزت مفهومي الندرة والشح، وأصبحت وثيقة الارتباط بملفات التصحر والجفاف وتغير المناخ.
وأكد عبد الوهاب أن التعاون بين دول حوض النيل يُعد إيجابيًا للغاية، مع وجود مطالبات متزايدة بتعزيز التعاون مع مصر، على غرار المشروعات التنموية الناجحة التي نفذتها في عدد من دول القارة الأفريقية، منوهًا في الوقت ذاته بالسلوك الإثيوبي السلبي في التعامل مع ملف المياه والمصالح المصرية، والذي أرجعه إلى حساسيات تاريخية تتعلق بالحقوق المائية التاريخية لمصر.
وأشار إلى أن التطورات الجارية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل الأفريقي تهدد الأمن والاستقرار، وتفرض تصورات جديدة لهندسة هذه المناطق، وخاصة في ظل التغيرات والأوضاع التي تشهدها دول مثل السودان والصومال والكونغو، مؤكدًا ضرورة أخذ هذه التحولات في الاعتبار عند بحث مستقبل التعاون الإقليمي.
وقال إن كميات ضخمة من المياه تسقط سنويًا على دول حوض النيل، إلا أن الاستفادة منها لا تزال محدودة، ما يستدعي إطلاق مشروعات مشتركة تقوم على مبدأ المنفعة الجماعية وتحقيق المصالح المتبادلة.
وشدد عبد الوهاب على أن جوهر المشكلة يتمثل في أنماط السلوك وإدارة الموارد المائية، معتبرًا أن الصراعات في العالم بدأت تأخذ شكلًا مختلفًا، حيث يتجه التنافس بشكل متزايد نحو السيطرة على الموارد الطبيعية النفسية.
وأعرب عن دهشته من عدم إدراك إثيوبيا لأهمية التوصل إلى حل توافقي لهذا الملف مع مصر، في ظل ما يحمله من تداعيات إقليمية خطيرة.
وأشار إلى التحركات المصرية المكثفة في القارة الأفريقية منذ عام 2014، في ضوء اهتمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضع العلاقات مع أفريقيا على رأس أولويات السياسة الخارجية المصرية، وهو ما انعكس في استعادة مصر لنفوذها ودورها بالقارة، وزيادة وتيرة الزيارات المتبادلة وحجم التبادل التجاري.
وأضاف أن الأوضاع غير المستقرة في منطقة الساحل والقرن الأفريقي تؤثر سلبًا على فرص الاستقرار والتنمية، وتعرقل تنفيذ مشروعات التعاون الجماعي.
وأكد أنه لا يمكن فصل أمن المياه عن أمن الطاقة والغذاء، باعتبارها مكونات رئيسية للأمن الإنساني، مبرزاً أن هذه المنظومة المعقدة والمترابطة تتطلب رؤية جديدة وإرادة جماعية لتحقيق المصلحة المشتركة للجميع، محذرًا من أن استمرار النهج الأحادي يهدد الاستقرار والتنمية في المنطقة.
وشدد عبد الوهاب على أهمية التواجد المصري الفاعل على الأرض في دول القارة من خلال المشروعات التنموية، دعمًا للدول الصديقة وحمايةً للمصالح المصرية، منوهًا بالدور المحوري للتكنولوجيا في دفع مسارات التعاون وتحقيق أقصى استفادة ممكنة لكافة الأطراف.
واختتم مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية تصريحاته بالإشادة بالصبر المصري وحكمته في إدارة المفاوضات، وبالحراك السياسي والدبلوماسي المصري الذي واصل جهوده وتجاوز مختلف التحديات.
الدكتور عمر الحسينى : مصر نجحت في توطين مشروعات الطاقة المتجددة
وبدوره.. قال الدكتور عمر الحسيني النادي، الخبير في التنمية المستدامة، إن الدول التي تأخرت أو دخلت متأخرة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية تأثرت فرصها في تحقيق التنمية وتعزيز الأمن، في حين أن الدول التي أولت اهتمامًا بتطوير البنية التحتية ولجأت إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة والطاقة المتجددة تمكنت من تحسين أوضاعها التنموية.
وقال إن مصر نجحت في توطين مشروعات الطاقة المتجددة، كما نفذت مشروعات قومية كبرى لتبطين الترع، وتحلية المياه، ومعالجة وإعادة استخدام المياه، بما يضمن إدارة الموارد المائية بصورة آمنة ومستدامة.
وأضاف أن الأمن المائي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن الطاقة والغذاء، باعتبارها ركائز أساسية للتنمية الشاملة والاستقرار.
وأشار إلى وجود مشكلة في الوعي البيئي، مؤكدًا أن التحديات والمخاطر الأساسية تتمثل في الزيادة السكانية، ومتلازمة المياه والطاقة والغذاء، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية.
وأوضح أن مصر تمتلك خبرة واسعة ومتراكمة في إدارة السدود، مستشهدًا بالسد العالي، الذي أسهم في الحفاظ على فرص التنمية في مختلف محافظات الجمهورية.
واختتم الخبير في التنمية المستدامة، كلمته بالندوة، بالتأكيد على أن المياه تمثل المورد الأساسي للحياة، لافتاً إلى أن مصر تمتلك سلاحًا قويًا يتمثل في المعرفة والإدراك، وإصرارها على تحويل نهر النيل إلى نهر للتعاون والخير لصالح جميع دوله.






