مقالات

أ.د. إبراهيم مرجونة يكتب: ذكريات رجل خمسيني

كلما تقدّم العمر خطوة، تراجع الزمن في داخلي خطوتين. ليست هذه مفارقة شعرية، بل حقيقة نفسية عميقة: الإنسان لا يعيش عمره كما هو، بل كما يتذكّره، ولهذا، فإن الحنين إلى الطفولة لا يأتي لأن الماضي كان أجمل بالضرورة، بل لأن وعينا كان أبسط، ولأن الروح لم تكن قد امتلأت بعد بكل هذا الركام من الأسئلة والخذلان والتجارب الناقصة.

في الطفولة، كنا نعيش قبل أن نفهم، ونشعر قبل أن نفسّر.
لم يكن للعالم تعريفٌ نهائي، ولم نكن بحاجة إلى تعريفه، الأشياء كانت كما هي، والناس كما يظهرون، والنيات تُفهم من النبرة لا من الحسابات.
كنا نثق لأن الشك لم يكن قد تدرّب بعد، وكانت البراءة ليست فضيلة مكتسبة، بل حالة طبيعية للوجود، ومن هنا تأتي مأساة الفقد لاحقًا: أننا لا نفقد الطفولة، بل نفقد تلك القدرة الخام على التصديق.
الحياة آنذاك لم تكن مشروعًا، بل تجربة مفتوحة.
لم يكن أحد يسأل الطفل: ماذا ستصبح؟ لأن السؤال نفسه لم يكن مهمًا، المهم كان: ماذا تفعل الآن؟ كيف تضحك؟ كيف تركض؟ كيف تحزن ثم تنسى؟ الطفولة كانت زمن اللحظة الخالصة، حيث لا الماضي يثقل، ولا المستقبل يهدد. فلسفيًا، يمكن القول إن الطفل هو الكائن الوحيد الذي يعيش الزمن كما هو، لا كما يتصوره.

الألعاب، حين أستعيدها اليوم، أكتشف أنها لم تكن لهوًا بريئًا فحسب، بل تدريبًا مبكرًا على الحياة.
في اللعب تعلّمنا العدالة دون محاكم، والخسارة دون كراهية، والتعاون دون عقود، تعلّمنا أن نختلف ثم نتصالح، وأن نسقط ثم ننهض، دون أن ندوّن الهزيمة في الذاكرة طويلاً، كان اللعب مدرسة أخلاقية صامتة، نمارس فيها الحياة في صورتها المصغّرة، دون قسوة نتائجها النهائية.
أما البيت… فكان العالم قبل أن نعرف العالم.
الدفء الأسري لم يكن مشهدًا عاطفيًا، بل بنية نفسية عميقة تشكّلت داخلنا. هناك، تعلمنا أول معنى للأمان، وأول درس في الانتماء، وجود الأب لم يكن سلطة، بل مرجعية، ووجود الأم لم يكن عاطفة فقط، بل نظام حياة كامل، لم نكن نحتاج إلى تفسير الحب، لأنه كان حاضرًا في التفاصيل: في الطعام، في السؤال، في الصمت، في الدعاء الخفي.
ثم جاءت الحياة، لا كامتداد طبيعي، بل كقطيعة صامتة.
كبرنا، وبدأت المسافة تتسع بين ما نحن عليه، وما كنا نظنه سنكونه، صارت العلاقات مشروطة، والضحكات محسوبة، والقلوب مدرّبة على التحفظ. تعلّمنا كيف ننجو، لا كيف نحيا، وهنا، يتسلل الحنين لا كضعف، بل كصرخة فلسفية تقول: لقد فقدنا شيئًا جوهريًا ونحن نظن أننا نكسب كل شيء.
الحنين، في هذا المعنى، ليس رغبة في الرجوع، بل محاولة للفهم.
هو سؤال وجودي متأخر: متى تحوّلنا من كائنات تبحث عن المعنى في البساطة، إلى كائنات تبحث عن البساطة في عالم بلا معنى؟ ولماذا كلما ازدادت أدواتنا، تناقصت طمأنينتنا؟ الحنين يفضح وهم التقدم حين يكون على حساب الإنسان.
واليوم، وأنا رجل خمسيني، لا أبكي الطفولة، بل أتأملها.
أفهم الآن أن الطفولة لم تكن مرحلة نغادرها، بل مرآة ينبغي أن نعود إليها، ليست لنعيش كما كنا، بل لنتذكّر كيف نكون بشرًا، أن نستعيد القدرة على الدهشة، لا السذاجة، وعلى البساطة، لا الفقر. وعلى الدفء، لا الاتكالية.
مغزى هذه الذكريات أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمقها.
وأن الإنسان، مهما بلغ من الحكمة، يظل محتاجًا إلى شيء من طفولته كي لا يتحوّل إلى آلة ناجحة بلا روح، ربما لا يمكننا أن نعود أطفالًا، لكن يمكننا على الأقل ألا نخون الطفل الذي كان فينا.
تلك هي فلسفة الحنين، كما يراها رجل خمسيني:
ليس الماضي أجمل، لكننا كنا أصدق.

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى