مقالات

عبدالرحمن أبوزكير يكتب: المساقي الخاصة.. شريان حياة الفلاح ومصدر معاناته

في أغلب قرى الريف، لا يمكن الحديث عن الزراعة أو الإنتاج الزراعي دون التوقف أمام المساقي الخاصة، التي تمثل شريان حياة لآلاف الأفدنة، وتعتمد عليها غالبية الأراضي الزراعية في الري المنتظم، بعدما أنشأها المزارعون عبر عقود طويلة بجهود ذاتية، لعبت دورًا محوريًا في استقرار النشاط الزراعي، وأسهمت في تحقيق قدر من العدالة في توزيع مياه الري، خاصة في المناطق البعيدة عن الترع الرئيسية.

وتكمن أهمية المساقي الخاصة في كونها امتدادًا مباشرًا للترع العامة، وهي الأفضل للحفاظ على خصوبة التربة، مقارنة بمصادر ري بديلة قد تؤدي إلى تملح الأرض أو تراجع إنتاجيتها. فمياه الترع، بما تحمله من توازن طبيعي، تسهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين جودة المحاصيل، وهو ما ينعكس في النهاية على الأمن الغذائي للمواطن.

لكن هذا الدور الحيوي للمساقي الخاصة اصطدم بواقع شديد التعقيد، خاصة مع التوسع العمراني العشوائي في القرى، حيث باتت أغلب هذه المساقي تخترق الكتل السكنية، لتتحول من مصدر خير إلى مصدر خطر، ومن وسيلة للري إلى بؤرة مفتوحة للتلوث ونشر الأمراض.

في الوقت الذي تطلق فيه الدولة مبادرات قومية كبرى للحفاظ على البيئة وبناء الإنسان، تبقى المساقي الخاصة نقطة سوداء في المشهد البيئي الريفي. فبفعل غياب الرقابة وضعف الوعي، تحولت هذه المجاري المائية إلى أماكن لإلقاء المخلفات المنزلية، ومكبات عشوائية للقمامة، بل والأخطر من ذلك، قيام بعض المواطنين بإنشاء بيارات صرف صحي تصب مباشرة في المساقي، دون أدنى اعتبار لصحة الآخرين أو لحرمة الأرض والماء بعد أن ماتت ضمائرهم وعاثوا في الأرض فسادًا.

وهكذا تصل إلينا الأمراض في صورة فاكهة وخضروات، رُويت بمياه ملوثة، فلا يقتصر الخطر هنا على المزارع أو قريته، بل يمتد ليطال المستهلك في المدينة، في حلقة مغلقة من الإهمال المشترك.

وأمام هذا الواقع، يطالب المواطنون في القرى بتغطية المساقي الخاصة، كحل عملي يضمن وصول المياه إليهم، ويحد من التلوث، ويقلل من المخاطر الصحية، إلا أن هذه المطالب تصطدم بجدار من الروتين وتبادل المسؤوليات بين الجهات التنفيذية، فكلما خاطب الأهالي الوحدات المحلية لإدراج تغطية المساقي ضمن الخطة الاستثمارية، تقوم المحافظات ومجالس المدن بمخاطبة وزارة الموارد المائية والري، لتأتي الردود بأن هذه المساقي “خاصة”، وأن تغطيتها يجب أن تتم على نفقة المزارعين.

وهنا تبرز المفارقة الصادمة: كيف يُطلب من مزارع لا يملك سوى قيراط أو اثنين من الأرض، ويكافح بالكاد لتوفير مستلزمات الزراعة، وربما يلجأ للاستدانة من أجل موسم زراعي واحد، أن يتحمل تكلفة تغطية مسقى خاص يستفيد منه عشرات المزارعين؟ تكلفة قد تتجاوز 20 مليون جنيه لتغطية كيلومتر واحد فقط، وهذا الرقم ليس من نسج الخيال، بل يقترب مما أعلنته محافظة قنا قبل أيام في بيان رسمي على صفحتها، حيث بلغت تكلفة أعمال تغطية مسافة 900 متر بمدينة نقادة، من كوبري الشيخ حسين وحتى المقابر، نحو 18 مليونًا ونصف المليون

إن هذا التقدير، سواء من وزارة الري أو من أجهزة الحكم المحلي، هو تقدير مجحف وغير واقعي، ويتجاهل البعد الاجتماعي والاقتصادي للمزارع المصري، فالمساقي الخاصة، وإن نشأت بجهود أهلية، إلا أنها اليوم تؤدي وظيفة عامة، وترتبط مباشرة بالترع العامة، ما يجعلها في جوهرها جزءًا من منظومة الري القومية.

ويزداد الأمر غرابة في ظل وجود سند قانوني واضح، فالمادة (3) من قانون الري والصرف رقم 12 لسنة 1984، في بابه الأول، تتيح لوزارة الري تحويل المساقي الخاصة إلى عامة إذا كانت المساقي الخاصة متصلة بترعة عامة، كما يجيز القانون للوزارة تغطية المساقي الخاصة في حال اختراقها للكتل السكنية، ومع ذلك، لا نرى تطبيقًا فعليًا لهذه النصوص، فلا قامت بتحويل المساقي الخاصة إلى عامة، ولا أبقت عليها خاصة وقامت بتغطيتها، وحتى عند وقوع تعديات على هذه المساقي، تغيب الاستجابة بحجة أنها “خاصة”، وكأن تقول للمزارعين: “شيلتكم وشيلوها”.

من هنا، يصبح من الضروري إعادة النظر في طريقة تعامل وزارة الموارد المائية والري مع ملف المساقي الخاصة، باعتبارها قضية بيئية وصحية واجتماعية، لا مجرد تصنيف إداري جامد، كما تتحمل المحافظات مسؤولية مباشرة، حين ترفض إدراج تغطية المساقي ضمن خططها الاستثمارية، رغم خطورة الموقف، في الوقت الذي لا تجد فيه حرجًا في إنفاق ملايين الجنيهات سنويًا على تجديد مكاتب المسؤولين، وكأنهم مخلدون، وعن الحساب بعيدون.

ختامًا، أوجه رسالتي إلى وزارة الري: صحة الإنسان وكرامته والحفاظ على المساقي الخاصة يجب أن تبقى على رأس أولويات عمل الوزارة، فإنقاذ المساقي الخاصة من هذا المصير لا يحتاج إلى شعارات فارغة، بل إلى قرار شجاع يعيد لها دورها الحقيقي كشريان للتنمية الزراعية والريفية، بدل أن تتحول إلى مجرد بؤرة لنشر الأمراض والتلوث.

Follow us on Google News Button

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى