صلاح رشاد .. يكتب: أمير عباسي .. يضع خطة لإنقاذ الأمين

قلنا إن عبد الملك بن صالح كان من مفاخر بني العباس وقد تولي إمرة المدينة المنورة ودمشق في عهد الرشيد، وكان جديرا بالخلافة خليقا لها، وطبعا كان هذا يكفي لأن يقع في مرمي غضب الرشيد، ووصفه الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء، قائلا: كان عبد الملك فصيحا بليغا شريف الأخلاق، مهيبا شجاعا.
قيل إن يحيى البرمكي قال له: بلغني أنك حقود، فرد عليه: إن كان الحقد بقاء الخير والشر، فإنهما لباقيان في قلبي، فقال الرشيد: ما رأيت أحدا احتج للحقد بأحسن من هذا.
قال عنه الصولي: كان أفصح الناس، وأخطبهم، لم يكن في دهره مثله في فصاحته وصيانته وجلالته، وكان من دهاة بني هاشم.
قال الزبير بن بكار: كان عبد الملك نسيجا وحده، أدبا ولسانا، وتتابعت فيه الأخبار، وكثر حاسدوه، وبلغ الرشيد عنه أنه عازم علي الخروج ويقال إنه ما حبسه إلا لما رآه له نظيرا في السؤدد والهيبة.
واستفاض ابن منظور في الحديث عن عبد الملك في كتابه مختصر تاريخ دمشق لأنه ممن تولي إمرة دمشق.
عن الهيثم بن عدي، قال: لما ولي الرشيد عبد الملك بن صالح المدينة، قيل ليحيى بن خالد البرمكي: كيف ولاه المدينة من بين عماله ؟
قال: أحب أن يباهي به قريشا ويعلمهم أن في بني العباس مثله.
وعزى عبد الملك الرشيد في ابن له توفي وهنأه بآخر ولد، فقال: يا أمير المؤمنين، أجرك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرك، وجعل هذه بهذه جزاء للشاكرين، وثواباً للصابرين.
وقال ابن منظور في تاريخه أيضا: لما دخل الرشيد منبج قال لعبد الملك: أهذا البلد منزلك، قال: هو لك، ولي بك، قال: كيف ثناؤك به؟ قال: دون منازل أهلي، عذبة الماء، باردة الهواء، قليلة الأدواء؛ قال: كيف ليلها؟ قال: سحر كله؛ قال: صدقت، إنها لطيبة، قال: بل طابت بك وبك كملت، وأين بها عن الطيب، وهي طينة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء، فقال الرشيد لجعفر بن يحيى: هذا الكلام أحسن من الدّرّ المنظوم.
ولما مات الرشيد وتولي ابنه محمد الأمين أخرج وجهاء الدولة الذين كانوا في حبس أبيه، مثل علي بن عيسي بن ماهان صاحب أول جيش لاسترداد خراسان من المأمون وقد تحدثنا عنه باستفاضة، والثاني هو عبد الملك بن صالح العباسي الذي قال بعد أن أخرجه الأمين من الحبس: والله إن الملك لشيء ما تمنيته، ولا نويته، ولا قصدت إليه، ولا ابتغيته، ولو أردته لكان أسرع إلى من السيل إلى الحدود، وإني لمأخوذ بما لم أجن، ومسئول عما لا أعرف؛ ولكنه (يقصد الرشيد) حين رآني للملك خليقا وللخلافة جديرا، ورأى لي يداً تنالها إذا مدت، وتبلغها إذا بسطت، ونفساً تكمل بخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولم أترشح لها في سر، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحن إلى حنين الواله، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتهيأ لها بكل حيلته.
فإن كان حبسني على أني أصلح لها، وتصلح لي، وأليق بها، وتليق بي فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا جرم فأرجع عنه، ولا تطاولت لها فأخطأتني. فإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من إغضابه إلا بأن أخرج له من الحلم والعلم، وأتبرأ إليه من الحزم والعزم؛ فكما لا يستطيع المضياع أن يكون حافظاً ولا يملك العاجز أن يكون حازماً كذلك العاقل لا يكون جاهلاً، ولا يكون الذكي بليداً، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، وشغلته عن التدبير، غير أني والله أري السلامة من تبعاها غنما ،والخف من أوزارها حظاً.
كلمات تدل علي ما كان يتمتع به عبدالملك بن صالح من عقل ودهاء وفصاحة وحسن وتدبير ومايملكه من صفات تجعله جديرا بأن يتولي الخلافة .. ولانبالغ إذا قلنا إن عبد الملك بن صالح كان أحق بالخلافة من أبناء الرشيد الذين تولوها سواء كان الأمين أو المأمون أو المعتصم.
وأخبار عبد الملك الحسان كثيرة نكتفي بما ذكرناه منها ،ونعود إلي قصته مع الأمين بعد أن أخرجه من الحبس.
خرج عبد الملك من الحبس فوجد أن الأرض تهتز تحت أقدام الأمين، وتثبت تحت أقدام المأمون ، وأراد أن يكافئ الأمين بإخراجه من الحبس فقال له: يا أمير المؤمنين، إني أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلت سماحتك، فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتهم وأغضبتهم، وليس تملك الجنود بالإمساك، ولا تبقى بيوت الأموال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإن جندك قد رعبتهم الهزائم، ونهكتهم وأضعفتهم الحروب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم، ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب، وأدبتهم الشدائد، وجلهم منقاد إلي، مسارع إلى طاعتي، فإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم في عدوه، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته، فقال الأمين: فإني موليك أمرهم، ومقويك بما سألت من مال وعدة، فعجل الشخوص إلى ما هنالك، فاعمل عملا يظهر أثره، ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله فولاه الشام والجزيرة، واستحثه بالخروج استحثاثا شديدا، ووجه معه كنفا من الجند.
فماذا فعل عبد الملك بن صالح مع أهل الشام ؟ وهل كان قادرا بالفعل علي ترجيح كفة الأمين ؟
نجيب في الحلقة المقبلة إن شاء الله .






