صلاح رشاد .. يكتب: الملك العضوض والأثمان الباهظة (47)

الهادي يهدد يحيي البرمكي
كانت كل الأمور تسير في طريق عزل الرشيد، وكان هارون نفسه غير منزعج لذلك بعد أن عاني كثيرا من تضييق أخيه موسي عليه وتربصه به، فقد كان متزوجا من حبيبة قلبه زبيدة ابنة عمه وكان يعيش معها في حب ووصال ،كما كان يعيش مرفها بحكم أنه سليل الأسرة المالكة وكان هذا يكفي الرشيد ،الحياة مع زوجته الحبيبة والعيش الهني الرغيد ، لكن يحيي بن خالد البرمكي كان يدرك أن مجد أسرته مرتبط بتولي الرشيد الخلافة لأنه لن ينسي اليد البيضاء التي قدمها له يحيي، وكان الرشيد بالفعل محبا ليحيي وأولاده لأنه عاش في وسطهم وتربي معهم ولم يكن ينادي يحيي إلا بأبي.
وكانت هناك رؤيا رآها المهدي عكرت بعد ذلك صفو أيام ابنه موسي الهادي .
يقول الخليفة محمد المهدي: رأيت في منامي كأني دفعت إلى موسى وإلى هارون قضيبين، فأورق من قضيب موسى أعلاه فقط، وأورق قضيب هارون من أوله إلى آخره، فسأل مفسرا للأحلام فقال : يملكان معا فأما موسى فتقل أيامه، وأما هارون فيبلغ آخر ما عاش خليفة، وتكون أيامه أحسن أيام، ودهره أحسن دهر؛ وهذا ما حدث بعد ذلك علي أرض الواقع .
لكنها كانت في النهاية مجرد رؤيا وليست وحيا من السماء .
لذلك كان الهادي يحاول أن يقطع الطريق علي تولية الرشيد من الأساس ولسان حاله يقول: الرؤيا لا تكتب الأقدار .
وهذه الرؤيا مشابهة لموقف حدث لرموز البيت العباسي أثناء فرارهم من قبضة الأمويين في نهاية دولتهم، عندما أوقفت أعرابية أبا العباس السفاح وأبا جعفر المنصور وعمهما عبدالله بن علي ونظرت إليهم وقالت: خليفة وخليفة وخارجي .
فجاءت الأحداث بعد ذلك بما قالته هذه المرأة، فتولي الخلافة أبو العباس السفاح، ثم تولاها من بعده أخوه أبو جعفر المنصور الذي خرج عليه في بداية حكمه عمه عبدالله بن علي، وانتهي نهاية أليمة وتحدثنا عن هذا الموقف بالتفصيل في بداية حلقات العباسيين.
نعود إلي الخليفة العباسي الرابع موسي الهادي بن المهدي الذي كان شغله الشاغل هو خلع أخيه الرشيد وكان أمرا مثيرا للدهشة والغرابة، فالهادي كان في بداية العشرينيات من عمره فكيف لشاب صغير له ولي عهد في مثل سنه تقريبا وهو شقيقه ثم ينشغل بهذه الآفة اللعينة مبكرا جدا .
وكان قواده الذين أيدوه في ذلك كلما يجدون الهادي قد غض الطرف عن هذا الأمر مؤقتا، عادوا وألحوا عليه في المضي قدما في خلع هارون، وكانوا يقولون له: ليس عليك خلاف من أخيك إنما من يفسده عليك يحيي بن خالد البرمكي.
فبعث الهادي إليه وتهدده، ورماه بالكفر، ثم استدعاه ذات ليلة فخاف يحيي، وأوصى، وتحنط، وحضر عنده، فقال له: يا يحيى! مالي ومالك؟ قال يحيي: ما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته.. قال: لماذا تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي؟
قال: من أنا حتى أدخل بينكما؟ إنما صيرني والدكم المهدي معه، ثم أمرتني أنت بالقيام بأمره، فانتهيت إلى أمرك.
فسكن غضبه.
و كان هارون قد طاب نفساً بالخلع، بعد أن ضاق ذرعا من تصرفات أخيه معه وتضييقه عليه فمنعه يحيى البرمكي من التنازل عن ولاية العهد، فلما أحضره الهادي، وتحدث معه في ذلك، قال يحيى: يا أمير المؤمنين! إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر بعده، كان ذلك أوكد للبيعة. قال الهادي : صدقت، وسكت عنه..فعاد أولئك الذين بايعوه من القواد الكبار، فحملوه على معاودة الأمر مع الرشيد وإجباره علي أن يخلع نفسه، فاحضر الهادي يحيى وحبسه، فكتب إليه وهو في الحبس : إن عندي نصيحة، فماذا كانت نصيحة يحيي البرمكي لموسي الهادي ؟
وماذا حدث بعد ذلك ؟
نجيب في الحلقة المقبلة إن شاء الله





