من التوافق إلى التكتلات.. مراحل انتخاب رئيس البرلمان المصري عبر التاريخ

لم تكن عملية اختيار رئيس مجلس النواب في مصر مجرد إجراء إجرائي في الجلسات الافتتاحية، بل كانت عبر التاريخ مرآة عاكسة لطبيعة النظام السياسي وموازين القوى في البلاد، فمنذ العام 1866، شهدت هذه العملية تحولات جذرية، انتقلت من مرحلة “الاختيار بالتعيين” إلى “التنافس الحزبي”، لترسم ملامح التطور الديمقراطي في “بيت الأمة”.
العصر الملكي.. برلمان المشورة والتوافق الشكلي
في بدايات الحياة النيابية بعهد الخديوي إسماعيل، كانت المجالس تُؤدي دوراً استشارياً أكثر منه تشريعياً، في تلك الحقبة، لم يعرف البرلمان معنى “المعركة الانتخابية” على مقعد الرئاسة؛ إذ كانت الرئاسة تُحسم غالباً بالتزكية أو وفقاً لرؤية السلطة الحاكمة، في إطار توافقات سياسية تضمن بقاء المجلس ضمن دائرة الولاء للعرش.
حقبة الحزب الواحد.. سيطرة “الاتحاد” و”الوطني”
مع ميلاد الجمهورية عقب ثورة 23 يوليو 1952، دخل البرلمان المصري (مجلس الأمة ثم مجلس الشعب) مرحلة التنظيم السياسي الواحد.
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر، كانت رئاسة المجلس “محسومة سلفاً” داخل أروقة الاتحاد الاشتراكي، واستمر هذا النهج في عهدي السادات ومبارك؛ حيث كان الحزب الوطني الديمقراطي يمتلك “الأغلبية الكاسحة” التي تحول الجلسة الافتتاحية إلى إجراء بروتوكولي لتمرير مرشح الحزب.
برلمان 2011.. نقطة تحول
مثّل برلمان 2012 نقطة تحول كبرى، حيث شهدت قاعة البرلمان لأول مرة منافسة حقيقية ومعلنة، في تلك الدورة، انتُخب الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيساً للمجلس في مواجهة مرشحين آخرين، مستنداً إلى أغلبية حزب الحرية والعدالة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان) قبل أن يصحح الشعب المصري المسار في ثورة 30 يونيو.
برلمان 2015.. استعادة الدولة والكتل الكبرى
بعد غياب دام 3 سنوات، عاد البرلمان المصري في 2015 ليؤكد استعادة مؤسسات الدولة لاستقرارها، وشهدت الجلسة التاريخية الأولى انتخاب الدكتور علي عبد العال رئيساً للمجلس، بدعم من ائتلافات وكتل برلمانية كبرى مثل “دعم مصر”، لتنتهي مرحلة السيولة السياسية وتبدأ مرحلة البناء التشريعي.
المشهد الراهن (2021–2026).. التعددية والاحترافية الحزبية
يتميز مجلس النواب الحالي بنمط جديد من التعددية، حيث يضم تحت قبته طيفاً واسعاً من الأحزاب والقوى السياسية (تنسيقية شباب الأحزاب، حزب مستقبل وطن، أحزاب المعارضة، والمستقلين)، هذا التنوع جعل من انتخاب رئيس المجلس عملية تحظى باهتمام إعلامي وشعبي واسع، كونها تعكس توازنات حزبية دقيقة تضفي حيوية ومؤسسية على الأداء البرلماني.





