ثورة شعب وعطاء قائد.. 30 يونيو تعيد للفن المصري دوره الوطني والتنويري

قبل أكثر من عقد من الزمان، خرج المصريون في 30 يونيو بملايينهم، لا يهتفون فقط من أجل التغيير، بل ليكتبوا فصلاً جديدًا في تاريخ وطنهم، عنوانه الأمل والبناء. وسط زخم السياسة والاقتصاد، لم تغب الفنون والثقافة عن مشهد ما بعد الثورة، بل عادت لتتقدّم الصفوف، حاملةً رسائل التنوير، والانتماء، والهوية.
منذ 2014، وبقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعادت الدولة الاعتبار للفن كمكوّن أصيل من مكونات القوة الناعمة المصرية، بعد سنوات من التراجع والتهميش.
الفن يعود من جديد.. تحت مظلة الدولة
لم تكتفِ الدولة بالتشجيع النظري للفن، بل دخلت الساحة عبر خطوات واضحة، بداية من إعادة تنظيم سوق الإنتاج، ومرورًا بتطوير مؤسسات الثقافة، وحتى دعم الفنانين الشبان في الأقاليم.
شركة “المتحدة” مثال واضح على تحوّل الفن من الفوضى إلى المنظومة، حيث أعادت إنتاج الدراما المصرية على أسس مهنية، وأخرجت أعمالًا أعادت الجمهور للجلوس أمام الشاشات، لا للهروب منها.
“الاختيار” و”الممر”.. دراما تصنع الوعي
لعل أبرز ما ميّز مرحلة ما بعد 30 يونيو، هو عودة الفن إلى ثوبه الوطني.
مسلسلات مثل الاختيار بأجزائه المتعددة لم تكن فقط أعمالًا درامية، بل شهادات حية على بطولات رجال صدّوا الإرهاب في معارك لا تُنسى.
وفيلم الممر الذي عاد بالمصريين إلى بطولات أكتوبر، أعاد لسينما الحرب هيبتها، وللوطنية صدقها.
من قلب العاصمة الجديدة.. وُلدت مدينة الثقافة
وسط مباني العاصمة الإدارية، وُلد صرح ضخم يُعيد إلى الأذهان أمجاد الفنون الرفيعة:
مدينة الفنون والثقافة، أكبر مركز ثقافي في الشرق الأوسط، الذي يضم أوبرا، مسارح، قاعات موسيقى، ومتاحف، في مشهد يقول للعالم إن مصر لا تبني طرقًا فقط، بل تبني إنسانًا.
الفنون في كل بيت.. من أسوان إلى مرسى مطروح
ليست القاهرة وحدها من عادت إليها الفنون، بل امتدت يد الدولة إلى المحافظات والنجوع.
المبادرات الثقافية التي انطلقت ضمن مشروع “حياة كريمة” نقلت المسرح إلى الساحات، والموسيقى إلى المدارس، والرسم إلى البيوت.
أصبح من المألوف أن ترى فرقة فنون شعبية تقدم عرضًا في قرية نائية، أو شاعرًا شابًا يقرأ قصيدته على منصة أقامتها وزارة الثقافة في قلب الصعيد.
المهرجانات تعود.. والجمهور أيضًا
بعد سنوات من الغياب، عادت المهرجانات الفنية لتلمع من جديد.
مهرجان القاهرة السينمائي استعاد بريقه، ومهرجان الموسيقى العربية جذب الأجيال المختلفة، وظهرت مواسم جديدة مثل العلمين السينمائي، التي جذبت نجومًا من الداخل والخارج، وأكدت أن مصر لا تزال قلب الفن النابض في المنطقة.
الفن لا يعرف العاصمة فقط.. بل يعرف كل مصري
الرهان الأكبر كان على “عدالة الوصول إلى الفن”. لم تعد الثقافة حكرًا على الصفوة.
أصبح بإمكان طفل في مطروح أن يحضر ورشة مسرح، أو شابة في قنا أن تتعلم العزف على آلة نادرة.
ولأول مرة، يُنظر إلى الفن كحق أساسي، لا ترفًا مؤجلًا.
بين الثورة والفن.. قصة انتماء طويل
ربما لم تكن ثورة 30 يونيو ثورة على نظام فقط، بل ثورة من أجل المعنى، والهوية، والوعي.
وحين قررت الدولة أن تبني، لم تهمل الفن، لأنها تدرك أن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن، بل بما تُنتجه من فكر، وتزرعه من قيم، وتتركه من أثر في الوجدان.



