تشهد الساحة الدولية انقساماً حاداً بين القوى الغربية حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني المتصاعد، وتحديداً فيما يتعلق بالتوترات الأخيرة في منطقة الخليج ومضيق هرمز الاستراتيجي. ففيما تبدو الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب عازمة على اتخاذ موقف أكثر تشدداً، بل وربما التحرك بشكل منفرد لمواجهة ما تصفه بـ"التهديدات الإيرانية"، تتبنى الدول الأوروبية موقفاً أكثر حذراً، وتفضل البحث عن حلول دبلوماسية للأزمة المستمرة منذ أكثر من أسبوعين.
ويأتي هذا الانقسام في ظل تصاعد التوتر في منطقة الخليج، والذي بدأ بهجمات استهدفت ناقلات نفط وسفن تجارية في المياه الإقليمية، وتبادل الاتهامات بين واشنطن وطهران حول المسؤولية عن هذه الهجمات. وقد ردت الولايات المتحدة بتعزيز وجودها العسكري في المنطقة، وإرسال المزيد من القوات والمعدات، في خطوة أثارت قلقاً بالغاً لدى العديد من الدول، خشية من اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
تعود جذور هذا التوتر إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية مشددة على إيران، بهدف الضغط عليها للتفاوض على اتفاق جديد أكثر شمولاً. غير أن طهران رفضت الرضوخ للضغوط الأميركية، وبدأت في تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي، ما زاد من حدة التوتر مع واشنطن وحلفائها.
وبينما تدعو الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز، تبدو الدول الأوروبية مترددة في الانخراط في مثل هذه المبادرة، خشية من تصعيد الموقف مع إيران. وتفضل أوروبا التركيز على الحفاظ على الاتفاق النووي، وإيجاد طرق لتخفيف العقوبات الاقتصادية على إيران، بهدف إقناعها بالعودة إلى الامتثال الكامل لشروط الاتفاق.
في المقابل، ترى واشنطن أن الدبلوماسية لم تعد مجدية مع إيران، وأن الضغط الاقتصادي والعسكري هو السبيل الوحيد لإجبارها على تغيير سلوكها. ويعزز هذا التوجه تصريحات مسؤولين أميركيين يشيرون إلى أن الولايات المتحدة قد تضطر إلى اتخاذ إجراءات أحادية الجانب لحماية مصالحها في المنطقة، إذا لم تبدِ إيران استعداداً للتعاون.
ولا يقتصر الخلاف الغربي حول إيران على الجانب الأمني والعسكري، بل يمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى عزل إيران اقتصادياً، تحاول الدول الأوروبية الحفاظ على علاقاتها التجارية مع طهران، من خلال آليات خاصة تهدف إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية.
ويمثل هذا الانقسام الغربي تحدياً كبيراً للجهود الدولية الرامية إلى احتواء التوتر في منطقة الخليج. فغياب موقف موحد من قبل القوى الغربية قد يشجع إيران على المضي قدماً في سياساتها التصعيدية، وقد يدفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ خطوات أكثر جرأة، قد تؤدي إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق.
يبقى السؤال المطروح هو: هل ستتمكن أوروبا من إقناع واشنطن بالعودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران؟ أم أن الولايات المتحدة ستختار مساراً منفرداً، قد يقود المنطقة إلى حافة الهاوية؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة على هذا السؤال الحاسم.