بين حماية الضاحية وتهجير الجنوب: غضب لبناني يطال أولويات حزب الله
في تطور لافت عكس تعقيدات المشهد اللبناني، نجحت وساطة أمريكية، كشف عنها الرئيس دونالد ترامب، في تفادي ضربة إسرائيلية واسعة كانت تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت. غير أن هذا النجاح الدبلوماسي، الذي هدف إلى حماية قلب العاصمة، تزامن مع استمرار آلاف اللبنانيين من أبناء الجنوب في نزوحهم بعيداً عن منازلهم، ما أثار موجة استياء واسعة وغضباً متصاعداً بين الأوساط الجنوبية تجاه أولويات حزب الله. هذه المفارقة الحادة وضعت "معادلة الضاحية" تحت مجهر الانتقاد الشعبي، مسلطة الضوء على تباين في مستويات الحماية والأمن بين مناطق لبنان المختلفة.
تأتي هذه التطورات في ظل تصعيد مستمر للتوترات على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، حيث تبادل الطرفان التهديدات والرسائل النارية. لطالما شكل حزب الله، بقوته العسكرية ونفوذه السياسي، لاعباً محورياً في هذه المعادلة، حيث يعتبر الجنوب اللبناني قاعدة أساسية لعملياته. وتفهم "معادلة الضاحية" غالباً على أنها خط أحمر ضمني، يمنع استهداف هذه المنطقة الحساسة في بيروت مقابل تهديدات أو ضربات محتملة لمواقع أخرى. هذا التوازن الهش، الذي يهدف إلى درء حرب شاملة، يثير تساؤلات حول طبيعة الاستراتيجيات الدفاعية التي يتبعها الحزب، ومدى تأثيرها على حياة المدنيين في المناطق الحدودية الأكثر عرضة للخطر.
وفي هذا السياق، لم يكن الغضب الجنوبي مجرد رد فعل عابر، بل يمثل تراكمًا لشعور عميق بالتهميش وتباين الأولويات. يشعر سكان الجنوب، الذين غالبًا ما يدفعون الثمن الأكبر لأي مواجهة، بأن أمنهم لا يحظى بنفس الأوليّة التي تحظى بها الضاحية. فبينما يتم التفاوض الدولي لتجنيب بيروت ويلات الحرب، يظل آلاف العائلات الجنوبية مهجرين من قراهم، يعيشون في ظروف صعبة، في مشهد يعيد للأذهان فصولاً مؤلمة من الصراعات السابقة. هذا التباين يضع ضغوطاً متزايدة على حزب الله، الذي يجد نفسه أمام تحدي الموازنة بين حماية معاقله وبين توفير الأمن لكافة بيئته الشعبية، ويغذي الانقسامات الداخلية حول الدور الحقيقي للمقاومة.
على الصعيد الدولي، تعكس الوساطة الأمريكية، التي تحدث عنها الرئيس ترامب، حرص واشنطن على احتواء التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتجنب انزلاقها إلى مواجهة أوسع نطاقاً. وتنظر إسرائيل إلى نشاط حزب الله على حدودها كتهديد وجودي، وتؤكد مراراً أنها لن تتهاون في حماية أمنها القومي، ما يضع المنطقة على شفا الهاوية باستمرار. في المقابل، يرى البعض أن هذه الوساطات الدولية، وإن نجحت في كبح جماح التصعيد المباشر، فإنها لا تعالج جذور المشكلة، المتمثلة في وجود فاعل غير حكومي يمتلك قدرات عسكرية ضخمة، مدعوماً من إيران، ما يعقد مهمة تحقيق استقرار دائم في لبنان والمنطقة.
تبقى الأيام القادمة حبلى بالتحديات، فبينما يطوي لبنان صفحة ضربة وشيكة، تتفاقم داخلياً أزمة الثقة وتساؤلات حول العدالة في توزيع أعباء الصراع. هذه "المعادلة" الأمنية، التي تحمي منطقة على حساب أخرى، قد تحمل في طياتها بذور توترات اجتماعية وسياسية أعمق، وتضع حزب الله أمام مراجعة حقيقية لسياساته وتأثيرها على النسيج الوطني اللبناني.
ما رأيك في هذا الخبر؟