الخبر لايف
الأربعاء 3 يونيو
تحقيقات وتقارير 4 4 دقيقة visibility 5

من رئاسة البرلمان إلى المؤبد.. كيف انتهت رحلة الغنوشي السياسية في تونس؟

schedule
من رئاسة البرلمان إلى المؤبد.. كيف انتهت رحلة الغنوشي السياسية في تونس؟
يمثل الحكم الصادر بحق راشد الغنوشي بالسجن المؤبد مع 30 عامًا إضافية نقطة تحول مفصلية في مسار زعيم حركة النهضة، ويطرح تساؤلات واسعة حول مستقبل الحركة والإسلام السياسي في تونس بعد سنوات من الهيمنة على المشهد السياسي عقب ثورة 2011.

لم يكن الحكم الصادر بحق راشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي السابق، وزعيم حركة النهضة التونسية، بالسجن المؤبد مع 30 سنة إضافية في قضية "الجهاز السري" مجرد تطور قضائي جديد في مسار طويل من الملاحقات القانونية، بل يمثل محطة مفصلية قد تعيد رسم المشهد السياسي التونسي بالكامل، وتطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الإسلام السياسي في تونس، ومصير حركة النهضة التي ظلت لأكثر من عقد أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية بعد ثورة 2011.

الحكم الأثقل في مسيرة الغنوشي

الأحكام الأخيرة جاءت ضمن قضية تعود جذورها إلى عام 2022، وتتعلق بملف "الجهاز السري" المنسوب إلى حركة النهضة، والذي ارتبط بالتحقيقات الخاصة باغتيال السياسيين التونسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013.

ورغم أن الغنوشي يواجه منذ سنوات عدة قضايا وأحكامًا متنوعة، فإن الحكم الجديد يعد الأشد والأكثر رمزية، كونه يرتبط بملف ظل حاضرًا في الجدل السياسي التونسي لأكثر من عقد، واستخدمه خصوم النهضة باعتباره دليلًا على وجود هياكل موازية داخل الحركة.

من صعود الثورة إلى قاعات المحاكم

تمثل قصة راشد الغنوشي واحدة من أكثر القصص السياسية إثارة في العالم العربي خلال العقود الأخيرة.

فالرجل الذي أسس حركة الاتجاه الإسلامي مطلع الثمانينيات، وقضى سنوات طويلة في المنفى، عاد إلى تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي ليصبح أحد أبرز رموز المرحلة الانتقالية.

وخلال السنوات التالية، تحولت حركة النهضة إلى القوة السياسية الأكبر في البلاد، وشاركت في الحكومات المتعاقبة، قبل أن يصل الغنوشي إلى رئاسة البرلمان عام 2019.

لكن المشهد انقلب جذريًا بعد الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في يوليو 2021، والتي شملت تجميد البرلمان ثم حله لاحقًا، لتبدأ مرحلة جديدة شهدت تراجع نفوذ النهضة وفتح ملفات قضائية متعددة ضد قياداتها.

هل انتهى نفوذ النهضة؟

الحكم الأخير يعكس حجم التحول الذي شهدته تونس خلال السنوات الخمس الماضية.

فالحركة التي كانت تقود المشهد السياسي أصبحت اليوم تواجه تحديات وجودية، في ظل وجود عدد من قياداتها خلف القضبان، وتراجع حضورها الشعبي والتنظيمي، وغيابها شبه الكامل عن مراكز صنع القرار.

لكن مراقبين يرون أن نهاية النفوذ السياسي لا تعني بالضرورة اختفاء الحركة، إذ ما زالت النهضة تمتلك قاعدة تنظيمية وشبكة علاقات تاريخية داخل المجتمع التونسي، وهو ما يجعل مستقبلها مرتبطًا بقدرتها على إعادة بناء خطابها وتنظيمها في المرحلة المقبلة.

بين الرواية الرسمية ورواية الحركة

السلطات التونسية تؤكد أن القضايا المطروحة أمام القضاء تتعلق بملفات جنائية وأمنية تخضع للإجراءات القانونية الطبيعية، وأن القضاء هو الجهة المختصة بالفصل فيها.

في المقابل، تعتبر حركة النهضة أن الملاحقات القضائية ذات خلفية سياسية، وتندرج ضمن مسار يستهدف إقصاء المعارضة وتفكيك الحركة.

هذا التباين في الروايات يعكس الانقسام السياسي العميق الذي تعيشه تونس منذ عام 2021، ويجعل أي حكم قضائي في قضايا النهضة محاطًا بجدل سياسي واسع يتجاوز أبعاده القانونية.

إعادة تشكيل الحياة السياسية في تونس

يحمل الحكم تداعيات تتجاوز شخص الغنوشي نفسه، إذ يبعث برسائل سياسية مهمة داخل تونس وخارجها.

فعلى المستوى الداخلي، يعزز مسار إعادة تشكيل الحياة السياسية بعيدًا عن القوى التي هيمنت على مرحلة ما بعد الثورة.

أما خارجيًا، فإنه يسلط الضوء مجددًا على التجربة التونسية التي كانت تُقدم لسنوات باعتبارها النموذج الديمقراطي الأبرز بعد الربيع العربي، قبل أن تدخل في مسار مختلف خلال الأعوام الأخيرة.

مستقبل الإسلام السياسي في تونس

ربما يكون السؤال الأهم بعد الحكم هو: ماذا تبقى من مشروع الإسلام السياسي في تونس؟

فالغنوشي لم يكن مجرد زعيم حزبي، بل كان يمثل المرجعية الفكرية والسياسية للحركة. ومع تقدمه في العمر ووجوده في السجن منذ عام 2023، تواجه النهضة تحديًا غير مسبوق يتعلق بخلافة القيادة وإعادة تعريف دورها في المشهد التونسي.

ويرى محللون أن الحركة أصبحت أمام ثلاثة خيارات رئيسية: إعادة الهيكلة والتجديد، أو التحول إلى دور معارض محدود التأثير، أو الدخول في مرحلة من الانكماش التنظيمي والسياسي قد تستمر لسنوات.

مستقبل النهضة بعد الغنوشي

الحكم بالمؤبد مع السجن 30 عامًا على راشد الغنوشي لا يمثل فقط فصلًا جديدًا في مسار رجل لعب دورًا محوريًا في تاريخ تونس الحديث، بل يعد مؤشرًا على التحولات العميقة التي تشهدها البلاد منذ 2021. وبينما يبقى الفصل النهائي في هذه الملفات بيد القضاء، فإن المؤكد أن تونس تدخل مرحلة جديدة تختلف كثيرًا عن مرحلة ما بعد الثورة، وأن مستقبل حركة النهضة والإسلام السياسي سيظل أحد أبرز الأسئلة المفتوحة في المشهد التونسي خلال السنوات المقبلة.

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe