من الدولة الحبيسة إلى البحر الأحمر.. ماذا يريد آبي أحمد؟
كتب - عبدالرحمن أبوزكير :
عاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى الحديث عن الوصول إلى البحر الأحمر، واصفًا الأمر بأنه قضية «وجودية» لبلاده، في تصريحات تعكس إصرار أديس أبابا على طرح طموحاتها البحرية، رغم أن تحقيقها يظل مرهونًا باحترام سيادة الدول والقانون الدولي، وليس بمجرد إطلاق التصريحات أو تقديم المسألة باعتبارها أولوية وطنية.
وفي المقابل، يتمسك الموقف المصري بثوابت واضحة تقوم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والحفاظ على أمن البحر الأحمر، والتأكيد أن حوكمته مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، بما يحول دون فرض ترتيبات أحادية تمس استقرار المنطقة أو تتجاهل حقوق الدول المعنية.
آبي أحمد يتحدث عن «قضية وجودية» لإثيوبيا
ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية «فانا»، اليوم السبت، تصريحات آبي أحمد، التي قال فيها إن أمن بلاده على المدى الطويل وسيادتها وآفاق أجيالها المقبلة ترتبط بإيجاد منافذ موثوقة إلى الأسواق العالمية.
وأضاف رئيس الوزراء الإثيوبي أن التخطيط لمستقبل بلاده، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، في ظل مرور طرقها إلى الأسواق العالمية عبر دول أخرى، يفرض التعامل مع الوصول إلى البحر باعتباره قضية مرتبطة بالأمن القومي والمصالح السيادية.
وأكد آبي أحمد أن إثيوبيا ستواصل السعي إلى تحقيق هذا الهدف من خلال الحوار وتحقيق المصالح المتبادلة والتفاهم مع الأطراف المعنية.
لكن وصف الملف بأنه قضية وجودية لا يغير من حقيقة أن أي ترتيبات تتعلق بالمنافذ البحرية تخضع لحقوق الدول وسيادتها، وأن المصالح الاقتصادية لأي دولة لا تمنحها حقًا في فرض واقع جديد على دول أخرى أو تجاوز القواعد المنظمة للعلاقات الدولية.
مصر ترسم خطوطًا واضحة بشأن أمن البحر الأحمر
وفي مواجهة التحديات الإقليمية، تبرز أهمية التحرك المصري القائم على التنسيق مع الدول المعنية، وحماية المصالح المشتركة، والحفاظ على أمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وفي 4 أكتوبر الجاري، استضافت مدينة العلمين الجديدة قمة رباعية جمعت مصر والسودان وإريتريا والصومال، وصدر عنها إعلان مشترك تناول عددًا من القضايا الإقليمية، من بينها الأوضاع في السودان، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، ووحدة الأراضي الصومالية، والاستخدامات المائية للأنهار، وفي مقدمتها نهر النيل.
وأكد الإعلان أهمية تعزيز التشاور والتنسيق بين الدول الأربع، مع التشديد على أن حوكمة البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، بما يحافظ على أمن المنطقة واستقرارها ويصون حرية الملاحة.
ويعكس هذا الموقف تمسك مصر بمبدأ أساسي، وهو أن أمن البحر الأحمر لا يجوز فصله عن حقوق الدول المطلة عليه ومسؤولياتها، وأن القرارات المتعلقة بمستقبله يجب أن تنطلق من احترام السيادة والتفاهم الإقليمي، لا من طموحات أحادية الجانب.
كما يؤكد التحرك المصري أهمية بناء مواقف مشتركة مع الدول المعنية لمواجهة التحديات الإقليمية، بما يدعم الاستقرار ويحمي المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالممرات البحرية.
طموحات إثيوبيا تصطدم باعتبارات السيادة والقانون الدولي
وتحاول أديس أبابا تقديم الوصول إلى البحر باعتباره ضرورة اقتصادية وأمنية، مستندة إلى كونها دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عنها في تسعينيات القرن الماضي. غير أن هذه الاعتبارات، مهما بلغت أهميتها بالنسبة للاقتصاد الإثيوبي، لا تلغي حقوق الدول الأخرى ولا تبرر تجاوز سيادتها.
فالوصول التجاري إلى الموانئ يمكن بحثه من خلال الاتفاقات والتفاهمات التي تحترم مصالح جميع الأطراف، بينما يظل أي تصور يتجاهل حقوق الدول المعنية مدخلًا محتملًا للتوتر بدلًا من التعاون.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي أمام التصريحات الإثيوبية يتمثل في مدى الالتزام بالحوار واحترام القانون الدولي، بعيدًا عن استخدام مفردات الأمن القومي والسيادة لتوسيع نطاق المطالب أو منحها طابعًا إلزاميًا تجاه الآخرين.
توترات إثيوبية إريترية تزيد حساسية المشهد
وتأتي تصريحات آبي أحمد في وقت تشهد فيه العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا توترات، دفعت الولايات المتحدة إلى دعوة الطرفين، في وقت سابق من أكتوبر الجاري، إلى ضبط النفس، محذرة من تداعيات التصعيد على المنطقة بأكملها.
وتزيد هذه التوترات من حساسية ملف الوصول إلى البحر، نظرًا إلى الموقع الاستراتيجي لإريتريا على ساحل البحر الأحمر، وما يرتبط به من حسابات أمنية وسياسية في منطقة القرن الأفريقي.
وفي ظل هذه المعطيات، تظل الحاجة قائمة إلى تجنب التصعيد، وعدم تحويل الاحتياجات الاقتصادية إلى مبرر لنزاعات جديدة، مع إعطاء الأولوية للتفاهمات التي تحترم سيادة الدول وتحقق المصالح المشتركة.
الموقف المصري يؤكد أولوية الاستقرار واحترام السيادة
وبينما تواصل إثيوبيا طرح مسألة الوصول إلى البحر ضمن أولوياتها، يتمسك الموقف المصري بحماية أمن البحر الأحمر، وتعزيز التنسيق مع الدول المشاطئة، واحترام قواعد القانون الدولي، باعتبارها ركائز أساسية لاستقرار المنطقة.
وتؤكد هذه الثوابت أن التعامل مع الملف لا يقوم على حجم التصريحات أو تكرار المطالب، وإنما على احترام الحقوق القانونية والسيادة الوطنية، والالتزام بمسارات التفاهم بين الدول المعنية.
وبذلك، يبقى الطريق أمام إثيوبيا واضحًا: السعي إلى مصالحها التجارية عبر الحوار والاتفاقات المشروعة، دون المساس بحقوق الآخرين أو فرض ترتيبات أحادية، فيما تواصل مصر دورها في دعم التنسيق الإقليمي والحفاظ على أمن البحر الأحمر واستقرار المنطقة.
اقرأ أيضاً:
- أمطار متفاوتة الشدة تضرب البحر الأحمر.. والمحافظ يرفع درجة الاستعداد
- 600 مليون جنيه و2000 فرصة عمل.. الجوجوبا تقود هيئة تنمية الصعيد إلى قمة المشروعات الخضراء
- محافظ البحر الأحمر: تحركات لحل أزمة المياه.. وفرص استثمارية واعدة ومشروعات جديدة بحلايب وشلاتين
- وزير الخارجية يبحث مع نظيره الجيبوتي تعزيز التعاون الاقتصادي وأمن البحر الأحمر
- الحلفاء يتحدون خلف السعودية مع تصعيد الحوثيين لهجماتهم.. وهذه مطالب إيران لفتح «هرمز»
ما رأيك في هذا الخبر؟