الوقاية من المخدرات حماية للشباب من أخطارها
التربية والتوعية الدينية خط الدفاع الأول
لا تبدأ الوقاية من المخدرات عند اللحظة التي يُعرض فيها العقار على شاب أو مراهق، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تتشكّل شخصية الطفل بشكل عام والمسلم بشكل خاص، وتتكوّن نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين، ويتعلّم كيف يواجه الضغوط، ويعبّر عن مشاعره، ويميّز بين السلوك السليم والسلوك المؤذي.
ومن هنا تبرز أهمية الدور التوعوي والتربوي الذي يقدم رسائل وحملات تسعى إلى تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ ثقافة الوقاية، وحماية النشء من المخاطر التي تهدد سلامتهم النفسية والاجتماعية؛ إلى جانب بناء الوعي الديني.
فمواجهة المخدرات ليست مجرد تحذير من مادة خطرة، ولا تقتصر على نشر المعلومات المتعلقة بأضرار التعاطي، وإنما تتطلب بناء إنسان يمتلك الوعي والثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار، ويجد في أسرته ومجتمعه بيئة آمنة تساعده على مواجهة الأزمات بدلًا من الاستسلام لها.
إن مسؤولية الأسرة لا تقف عند توفير الطعام والملبس والتعليم، بل تشمل صون كرامة الطفل، واحترام مشاعره، وتوفير الأمان النفسي الذي يحتاج إليه لينمو نموًّا سليمًا، فالطفل أمانة، وليس ملكية تتيح للكبار التصرف في مشاعره وكرامته كما يشاؤون، كما أن سلطة التربية لا تمنح الحق في الإذلال أو التخويف أو الإهانة، ولا يمكن تبرير العنف بأنه وسيلة للتأديب، أو اعتبار الصمت الذي يلتزمه الطفل دليلًا على أنه لم يتأذَّ.
كما أن الطفل ليس عبئًا يُفرَّغ فيه غضب الكبار، ولا طرفًا في خلافاتهم، ولا مسؤولًا عن الإخفاقات التي يواجهونها، فهو إنسان في طور التكوين، يحتاج إلى الرعاية والتوجيه والاحتواء، وإلى أن يشعر بأن وجوده مقبول، وأن مشاعره جديرة بالاحترام، وأن الخطأ الذي يرتكبه لا يسلبه حقه في المحبة والأمان.
وقد تبدو السخرية المتكررة أو المقارنة المهينة أو التهديد المستمر ممارسات بسيطة في نظر الكبار، لكنها تصبح مصدرًا للقلق وفقدان الثقة بالنفس عندما تتحول إلى أسلوب دائم في التعامل.
كما أن الاضطهاد الطفلي جرح قد لا يُرى دائمًا، فهو لا يقتصر على الضرب أو الاعتداء الجسدي، بل يشمل صورًا متعددة من العنف النفسي والإهمال والاستغلال والتنمر، وقد يمتد إلى حرمان الطفل من الشعور بالأمان أو إجباره على الصمت حين يتعرض للأذى.
وفي بعض الحالات، يصبح البيت الذي يفترض أن يكون ملاذًا للحماية "مصدرًا للخوف"، ويغدو الشخص الذي ينبغي أن يستمع إلى الطفل هو نفسه الشخص الذي يخشى أن يشكو إليه.
وتزداد خطورة هذه الممارسات عندما لا يجد الطفل من يصدقه أو يدافع عنه، أو حين يُحمَّل مسؤولية ما يتعرض له، فيبدأ بالنظر إلى نفسه بوصفه مصدر المشكلة، وقد ينعكس ذلك على علاقاته بالآخرين، وقدرته على التعبير عن احتياجاته، وتعامله مع الضغوط والمواقف الصعبة.
ولا يعني ذلك أنَّ كل طفل يتعرض للإيذاء سيتجه إلى سلوك خطر أو يقع في الإدمان؛ فالعلاقة بين التجارب المؤلمة والنتائج اللاحقة معقدة، وتتأثر بعوامل كثيرة، منها الدعم الأسري والاجتماعي، والتدخل المبكر، وإتاحة الرعاية النفسية عند الحاجة، غير أن حماية الأطفال من العنف، وتعزيز شعورهم بالأمان والانتماء، يمثلان عاملين مهمين في دعم نموهم النفسي والاجتماعي وتقليل بعض عوامل الخطر.
وهنا يتصل موضوع الاضطهاد الطفولي برسالة الوقاية من المخدرات اتصالًا تربويًّا يستحق مزيدًا من الاهتمام، فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر أن يعبّر عن ألمه، ويطلب المساعدة، ويواجه الضغط بطريقة سليمة، يكون أكثر استعدادًا للاستفادة من الدعم عندما يواجه تحديات المراهقة والشباب، أما الطفل الذي اعتاد كتمان مشاعره خوفًا من العقاب أو السخرية، فقد يجد صعوبة في الإفصاح عن مشكلاته عندما يحتاج إلى المساندة.
وتتطلب مكافحة المخدرات رؤية تربوية تتجاوز التحذير من التعاطي إلى بناء المهارات التي تساعد الناشئة على مقاومة الضغوط واتخاذ القرارات السليمة، فالمعرفة بأضرار المخدرات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا لم تصاحبها قدرة على رفض ضغط الأقران، وإدارة الانفعالات، والتعامل مع الإحباط، وطلب المساعدة من أشخاص موثوقين.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحملات التوعوية التي تتناول العنف الأسري والكرامة الإنسانية بوصفها جزءًا من منظومة وقائية أوسع، تتكامل فيها سلامة البيئة الأسرية مع التوعية بمخاطر المخدرات والسلوكيات الإدمانية.
فالتربية التي تقوم على الاحترام لا تعني غياب الحزم، وإنما تعني أن يكون التوجيه واضحًا من دون إهانة، وأن يُصحَّح السلوك من دون تحطيم صاحبه، وأن تُعالج الأخطاء بالحوار والمسؤولية بدلًا من التهديد والإذلال.
كما أن الخطاب الوقائي يحتاج إلى الابتعاد عن وصم الأشخاص الذين يعانون الإدمان أو تصويرهم باعتبارهم أشخاصًا فقدوا قيمتهم الأخلاقية، فالإدمان مشكلة معقدة تحتاج إلى الوقاية والعلاج والدعم المتخصص، والوصمة قد تمنع بعض الأشخاص من طلب المساعدة أو تشجع أسرهم على إخفاء المشكلة، ومن ثم، فإن نشر الوعي ينبغي أن يجمع بين بيان المخاطر، وتعزيز المسؤولية، والتشجيع على طلب العلاج عند الحاجة.
ولا يمكن لجهة واحدة أن تتحمل وحدها مسؤولية حماية الأطفال أو مواجهة المخدرات؛ فنجاح الوقاية يرتبط بتكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية والجهات الصحية والإعلامية.
وتبدأ هذه الشراكة بتوعية الوالدين بأساليب التربية الإيجابية، وتدريب المعلمين على ملاحظة مؤشرات العنف والتنمر والضيق النفسي، وتوفير قنوات آمنة يستطيع الطفل من خلالها الإبلاغ عن الأذى دون خوف من الانتقام أو عدم التصديق.
ومن المفيد أن تتطور الرسائل التي تحملها الحملات التوعوية إلى برامج مستمرة، تشمل لقاءات للأسر، وورشًا للمعلمين، وأنشطة مدرسية تفاعلية، ومواد إعلامية ملائمة لمختلف الأعمار.
كما ينبغي أن تتضمن هذه البرامج وسائل واضحة لقياس أثرها، من خلال متابعة مستوى الوعي، وتطور مهارات التواصل، ومدى معرفة الأطفال بالجهات التي يمكنهم اللجوء إليها عند التعرض للأذى.
ويمكن توسيع النقاش حول الوقاية المبكرة، وتعزيز الاهتمام بالطفولة، وربط الرسائل الإعلامية بالممارسات التربوية اليومية، فالحملة الناجحة لا تُقاس بمدى انتشار شعارها فحسب، بل بقدرتها على إحداث تغيير في نظرة المجتمع إلى المشكلة، وفي طريقة تعامل الأسرة مع الطفل، وفي استعداد المؤسسات للتدخل عندما تكون الحماية ضرورة.
إن المجتمع الذي يريد حماية أبنائه من المخدرات لا ينتظر حتى يقعوا في دائرة الخطر، بل يبدأ من الطفولة؛ من البيت الذي يمنح الأمان، والمدرسة التي تحترم الاختلاف، والمؤسسات التي تنشر الوعي وتدعم الأسرة، ومن خطاب تربوي يرفض الإيذاء ويشجع على طلب المساعدة.
وتبقى الرسالة الأهم؛ أن الوقاية الحقيقية لا تقتصر على إبعاد الإنسان عن المخدرات، بل تشمل حمايته من العوامل التي قد تهدد سلامته ونموه، وتعزيز قدرته على مواجهة الحياة بوعي وثقة، فالطفل أمانة، وكرامته ليست موضع تفاوض، وحمايته مسؤولية تبدأ اليوم، قبل أن تتحول جراح الطفولة الصامتة إلى أزمات يصعب احتواؤها غدًا.
اقرأ أيضاً:
- غبي منه فيه.. ضبط شخص يروج للمخدرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي
- حبس أب 4 أيام بالفيوم لاتهامه بالاعتداء على ابنته.. وتحليل المخدرات يكشف مفاجأة
- غدًا.. سارة خليفة أمام الجنايات مجددًا في أكبر قضايا المخدرات
- القبض على تشكيل عصابي شديد الخطورة وضبط 3 أطنان مخدرات بقيمة 220 مليون جنيه في الإسماعيلية
- سقوط عصابة المخدرات العابرة للمحافظات