إلى أين تتجه أسعار النفط؟.. الحرب تضاعف أرباح شركة نرويجية إلى 11.5 مليار دولار
كتبت-آية غنيم
في الوقت الذي تتصاعد فيه التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، وتزداد المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية، بدأت تداعيات الحرب تظهر بوضوح في أسواق النفط والغاز، بعدما أدت اضطرابات حركة الملاحة في منطقة الخليج إلى زيادة المخاوف من نقص المعروض العالمي وارتفاع أسعار الطاقة.

وفي خضم هذه التطورات، أعلنت شركة “إكوينور” النرويجية، المملوكة للدولة، تحقيق أرباح معدلة بلغت نحو 11.5 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2026، مقابل نحو 6.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي، في قفزة تعكس حجم التأثير الذي أحدثته أزمة الطاقة على الشركات المنتجة للنفط والغاز.
ارتفاع الإنتاج وأسعار النفط يضاعفان أرباح “إكوينور”
استفادت شركة “إكوينور” من ارتفاع أسعار النفط والغاز، إلى جانب زيادة إنتاجها خلال الربع الثاني من العام، في وقت تراجعت فيه تدفقات النفط من منطقة الخليج وسط اضطرابات حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وتُعد الشركة من أكبر منتجي النفط والغاز في النرويج، وقد ساعدتها زيادة الإنتاج على الاستفادة من الأسعار المرتفعة في الأسواق العالمية، في الوقت الذي أدى فيه القلق بشأن مستقبل الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الخام وتسجيلها مستويات أعلى من الفترة نفسها من العام الماضي.
وارتفعت الأرباح المعدلة للشركة من نحو 6.5 مليار دولار في الربع الثاني من العام الماضي إلى 11.5 مليار دولار خلال الربع الثاني من العام الجاري، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى أرباح تبلغ نحو 11.37 مليار دولار.
وقال الرئيس التنفيذي لشركة “إكوينور”، أندرس أوبيدال، إن قوة الإنتاج خلال الربع الثاني ساعدت الشركة على الاستفادة من ارتفاع الأسعار، وهو ما انعكس على التدفقات النقدية والنتائج المالية.
وأضاف أن أهمية توفير الطاقة الموثوقة تزداد في ظل عالم يشهد حالة من عدم الاستقرار وارتفاع حدة التوترات الجيوسياسية.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق الأخطر في سوق الطاقة
يقف مضيق هرمز في قلب أزمة الطاقة الحالية، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، حيث تعتمد دول الخليج على هذا الممر لتصدير جزء كبير من إنتاجها إلى الأسواق العالمية.
وأدى اضطراب حركة الملاحة عبر المضيق إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة الأسواق على الحصول على الإمدادات المعتادة، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الدول على النفط والغاز القادم من منطقة الخليج.
ومع تراجع تدفقات النفط وارتفاع المخاوف بشأن الإمدادات، شهدت أسعار الخام تقلبات حادة خلال الربع الثاني من العام، إذ تحرك سعر خام برنت بين نحو 75 دولارًا وأكثر من 100 دولار للبرميل، مقارنة بمستويات تراوحت بين 60 و70 دولارًا خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعني استمرار القيود على حركة ناقلات النفط عبر المضيق احتمال زيادة الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصًا إذا اتسعت دائرة التوترات لتشمل طرقًا أخرى لنقل الخام.

لماذا ترتفع أسعار النفط مع تصاعد الحروب؟
ترتبط أسعار النفط بشكل مباشر بحجم المعروض العالمي وحجم الطلب، ولذلك فإن أي تهديد لإمدادات الخام قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، حتى قبل حدوث نقص فعلي في الأسواق.
وفي أوقات الأزمات الجيوسياسية، تلجأ الأسواق إلى تسعير المخاطر المحتملة، إذ يخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار الصراع إلى تعطيل الإنتاج أو تصدير النفط من مناطق رئيسية.
وتزداد المخاوف عندما تكون الأزمة مرتبطة بمنطقة الخليج، التي تعد من أهم مراكز إنتاج وتصدير النفط في العالم، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة أو الإنتاج عاملًا مؤثرًا في الأسواق العالمية.
وبحسب البيانات المتداولة بشأن السوق خلال الفترة الأخيرة، ارتفع خام برنت مجددًا مع تصاعد الأعمال العسكرية، بعدما كان قد شهد تراجعًا عقب الإعلان عن جهود دبلوماسية هدفت إلى تهدئة التوترات.

“إكوينور” ليست المستفيد الوحيد
لا تقتصر الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط على شركة “إكوينور” وحدها، إذ تستفيد شركات الطاقة الكبرى عادة من ارتفاع أسعار الخام والغاز، خاصة الشركات التي تمتلك إنتاجًا كبيرًا وتتمتع بقدرة على زيادة الإمدادات أو الاستفادة من أنشطة التداول والتكرير.
وتضم قائمة الشركات العالمية الكبرى العاملة في قطاع الطاقة شركات مثل “شل” و"بي بي" و"إكسون موبيل" و"توتال إنرجيز"، التي تتأثر نتائجها المالية بتحركات أسعار النفط والغاز، وإن كانت درجة الاستفادة تختلف من شركة إلى أخرى بحسب حجم الإنتاج والتكاليف ونشاط التكرير والتداول.
وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار الطاقة يمثل تحديًا كبيرًا للقطاعات التي تعتمد بصورة مباشرة على الوقود، وعلى رأسها شركات الطيران والنقل والشحن، إذ يؤدي ارتفاع تكلفة الوقود إلى زيادة نفقات التشغيل والضغط على هوامش الأرباح.

ارتفاع النفط يهدد الاقتصاد العالمي
لا تتوقف تداعيات ارتفاع أسعار النفط عند شركات الطاقة، إذ يمكن أن تنتقل آثار الأزمة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية.
فعندما ترتفع أسعار الخام، ترتفع تكلفة الوقود، وهو ما ينعكس على النقل والشحن، ثم ينتقل تأثيره إلى أسعار السلع والمنتجات التي تعتمد على عمليات نقل مكلفة.
كما يمكن أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد النفط والغاز، ما يضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحديات إضافية في السيطرة على معدلات التضخم.
وتتأثر أيضًا شركات الطيران، التي يمثل الوقود جزءًا رئيسيًا من تكاليف تشغيلها، إلى جانب شركات الشحن والنقل البري والصناعات كثيفة استهلاك الطاقة.
من الرابح ومن الخاسر؟
تكشف أزمة الطاقة الحالية عن مفارقة اقتصادية واضحة؛ ففي الوقت الذي تحقق فيه شركات النفط والغاز أرباحًا ضخمة نتيجة ارتفاع الأسعار، تواجه قطاعات أخرى ارتفاعًا في تكاليف التشغيل.
وتأتي شركات الطاقة المنتجة للنفط والغاز في مقدمة المستفيدين من ارتفاع الأسعار، خاصة عندما تتمكن من زيادة الإنتاج والاستفادة من ارتفاع سعر البرميل.
في المقابل، تتحمل الدول المستوردة للطاقة والمستهلكون الجزء الأكبر من تداعيات ارتفاع الأسعار، سواء من خلال زيادة تكلفة الوقود أو ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
أما الدول المنتجة للنفط، فقد تستفيد من زيادة عائدات التصدير، لكنها قد تواجه في الوقت نفسه ضغوطًا اقتصادية إذا أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة التضخم عالميًا أو تراجع الطلب على المنتجات.

ماذا يحدث إذا استمرت أزمة مضيق هرمز؟
يبقى مستقبل أسعار النفط مرتبطًا بدرجة كبيرة بمسار الأحداث العسكرية والسياسية في المنطقة.
ففي حال استمرار اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قد تظل الأسواق تحت ضغط المخاوف المتعلقة بالإمدادات، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مواصلة الارتفاع أو البقاء عند مستويات مرتفعة.
أما إذا نجحت الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى تهدئة وعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها، فمن الممكن أن تتراجع علاوة المخاطر التي يضعها المستثمرون على أسعار النفط، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الأسعار مرة أخرى.
وبينما تراقب الأسواق تطورات الصراع، تبدو شركة “إكوينور" واحدة من أبرز الأمثلة على الطريقة التي يمكن أن تتحول بها الأزمات الجيوسياسية إلى مكاسب ضخمة لشركات الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تكشف الوجه الآخر للأزمة، حيث يدفع ارتفاع أسعار النفط فاتورة اقتصادية تتحملها قطاعات النقل والصناعة والمستهلكون حول العالم.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم: إلى أين تتجه أسعار النفط إذا استمرت التوترات في المنطقة وتعطلت حركة الإمدادات عبر مضيق هرمز لفترة أطول؟
ما رأيك في هذا الخبر؟