أدهم الشرقاوي يكتب: مونديال قطر 2022.. النسخة التي دلّلت الجماهير.. وأرهقت أمريكا قبل البداية
قطر جمعت الشغف والبشر.. وأمريكا تبدأ بالرعد والخطر
هل تشاهدون تلك الفراشة.. تلك الزهرة.. ذلك الشاطئ الذي يبتسم للمارة.. تلك لم تكن مجرد مشاهد عابرة، بل كانت ملامح حكاية جميلة اسمها مونديال قطر 2022.. مونديال بدا وكأنه كُتب بحبر الدهشة، وصُمم ليمنح العالم نسخة استثنائية من الصعب، بل من المستحيل، أن تتكرر من جديد.
أتذكر جيدًا مروري على استاد المدينة التعليمية في منطقة الريان، لمتابعة قمة تونس وفرنسا.. أجواء كروية مشتعلة، جماهير من كل بقاع الأرض، وشغف لا يُشبه إلا كأس العالم.. وبعدها بعشر دقائق فقط.. نعم عشر دقائق لا أكثر، كنت في طريقى إلى تحفة لوسيل المونديالية للاستمتاع بمواجهة السعودية والمكسيك، في أي نسخة أخرى من كأس العالم يمكن أن يحدث هذا..

كانت الحكاية في قطر تُكتب بسهولة الوصول، وسحر التفاصيل، ودفء الليالي من العزيزية إلى لوسيل، ومن سوق واقف إلى مشيرب، حيث يفصل بينهما كوبري صغير لا يحتاج أكثر من دقيقتين، كانت الحياة تنبض بالمونديال. هنا أهازيج الأرجنتين، وهناك رقصات المكسيك، وفي زاوية أخرى جماهير المغرب والسعودية وتونس ترسم مشهدًا عربيًا خالدًا.. وكأن العالم كله اجتمع في مدينة واحدة، يتنفس كرة القدم دون عناء.
في قطر، لم يكن المشجع بحاجة إلى معجزة ليلحق بمباراتين في يوم واحد، ولم يكن مضطرًا إلى حسابات معقدة بين الطائرات والمسافات وفوارق التوقيت.. كانت البطولة قريبة من القلب قبل أن تكون قريبة من الملاعب.. مونديال صُمم للجماهير قبل الكاميرات.
وعلى النقيض تمامًا، يبدأ الحديث عن مونديال أمريكا 2026 بصورة مختلفة تمامًا.. مدن تفصل بينها خمس وست ساعات وربما أكثر، وفوارق زمنية تربك المتابعين قبل اللاعبين، وصعوبة حقيقية تجعل حضور مباراتين في ملعبين مختلفين خلال يوم واحد أقرب إلى المستحيل.
ولم تتوقف القصة عند حدود الجغرافيا فقط.. فالأزمات بدأت قبل أن تُطلق صافرة البداية.
حادث إطلاق نار قرب معسكر منتخب إنجلترا أسفر عن إصابة تسعة أشخاص، في مشهد أثار القلق قبل انطلاق البطولة. وفي واقعة أخرى بدت وكأنها خرجت من فيلم سينمائي، فوجئ المنتخب السويسري بوجود أفاعٍ سامة قرب مقر إقامته في سان دييغو، ما دفع المسؤولين للبحث عن معسكر بديل وسط مخاوف متزايدة.
أما الغرابة الأكبر، فجاءت من توقف المباراة الودية بين السعودية وبورتوريكو بصورة مفاجئة، بسبب احتمالية وجود رعد وبرق في أجواء الملعب.. نعم حتى الطقس قرر أن يعلن حضوره المبكر في مشهد غير معتاد.
كل هذا.. والمونديال لم يبدأ بعد!
ربما تنجح أمريكا في تقديم نسخة ضخمة تنظيميًا وتجاريًا، وربما نشاهد ملاعب مبهرة وحضورًا جماهيريًا استثنائيًا، لكن شيئًا واحدًا يبدو صعب المنال: روح قطر 2022.
ذلك المونديال الذي جعل المسافات قصيدة قصيرة، والمدرجات بيتًا واحدًا، والجماهير أسرة واحدة.. مونديال كان أقرب إلى الفراشة حين تحط برقة، وإلى الزهرة حين تفوح جمالًا، وإلى الحلم حين يمر سريعًا.. لكنه يترك أثرًا لا يُنسى.
قطر 2022 لم تكن مجرد بطولة كأس عالم.. كانت ذاكرة كروية لن تتكرر حتى لو نظم المونديال في 3 دول مجتمعة..
ما رأيك في هذا الخبر؟