كشف أثري جديد يوثق تفاصيل حصن مصري عمره آلاف السنين بالبحيرة
لم تعد الحصون القديمة مجرد جدران صامتة تحكي عن الحروب، فكل قطعة أثرية تُكتشف بين أنقاضها تكشف جانبًا جديدًا من حياة من عاشوا خلف هذه الجدران. وفي منطقة تل الأبقعين بمحافظة البحيرة، نجحت البعثة الأثرية المصرية في الكشف عن مجموعة جديدة من المنشآت واللقى الأثرية التي تلقي الضوء على الحياة داخل أحد الحصون التي أقيمت لحماية الحدود الغربية لمصر خلال عصر الدولة الحديثة.
وتكشف الاكتشافات الجديدة أن الحصن لم يكن مجرد نقطة عسكرية مخصصة للجنود والدفاع عن الحدود، وإنما كان مجتمعًا متكاملًا يضم مساكن ومرافق لتخزين الطعام وإعداده، إلى جانب شواهد على الأنشطة العسكرية والحياة اليومية والممارسات الدينية لسكانه.

مجمع سكني وشوارع تكشف التخطيط العمراني
ومن أبرز ما كشفت عنه أعمال الحفائر، مجمع سكني كبير تتخلله شوارع وممرات، بما يعكس وجود تخطيط عمراني منظم داخل الحصن.
وتشير هذه المنشآت إلى أن الحياة داخل الموقع لم تكن عشوائية، وإنما كانت هناك مناطق مخصصة للسكن والحركة وممارسة الأنشطة المختلفة، بما يتناسب مع طبيعة الحصن الذي كان يؤدي دورًا عسكريًا واستراتيجيًا على الحدود الغربية لمصر.
وكانت حفائر سابقة في تل الأبقعين قد كشفت بالفعل عن وحدات معمارية من الطوب اللبن لثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة والطعام، إلى جانب أدوات شخصية للجنود، وهو ما يدعم الصورة الأوسع للحصن كموقع عسكري مأهول.

صوامع وأفران تكشف تفاصيل الحياة اليومية
ولم تقتصر الاكتشافات على المساكن، إذ كشفت أعمال التنقيب عن صوامع ومخازن للغلال، إلى جانب أفران كانت تستخدم في إعداد الطعام.
وتقدم هذه المنشآت صورة عن كيفية توفير احتياجات سكان الحصن، خاصة في ظل طبيعته العسكرية وموقعه الحدودي، إذ كان تأمين الغذاء وتخزين الحبوب وإعداد الطعام جزءًا أساسيًا من استمرار الحياة داخل الموقع.
وتكشف هذه العناصر، إلى جانب الأدوات واللقى الأخرى، عن مجتمع كان يعتمد على منظومة متكاملة لتوفير احتياجاته اليومية، وليس مجرد قوة عسكرية تتمركز في موقع حدودي.
دفنة حصان.. أثر يفتح بابًا أمام الحياة العسكرية
ومن بين الاكتشافات اللافتة أيضًا العثور على دفنة كاملة ومقصودة لحصان، في مشهد أثري يثير اهتمام الباحثين بسبب ارتباط الخيول في مصر القديمة بالأنشطة العسكرية وجر العربات الحربية.
وتشير الدفنة إلى أهمية الحصان داخل المجتمع الذي عاش في الحصن، خاصة أن الموقع ارتبط بالدور العسكري وحماية الحدود، بينما تحتاج الدلالات الدقيقة للدفنة وعلاقتها بالأنشطة العسكرية إلى مزيد من الدراسة الأثرية.

لوحة هيراطيقية للملك مرنبتاح
ومن أبرز ما وصفته البعثة بأنه اكتشاف مهم، العثور لأول مرة في حفائر منطقة آثار البحيرة على جزء من لوحة من الحجر الجيري يحمل نصًا مكتوبًا بالخط الهيراطيقي للملك مرنبتاح.
ويضيف هذا الجزء من اللوحة بعدًا جديدًا لدراسة الموقع وتاريخه، إذ تتيح الكتابات المصرية القديمة للباحثين التعرف على أسماء الملوك والفترات التاريخية والوظائف التي ارتبطت بالمواقع والمنشآت المختلفة.
ويأتي ذلك إلى جانب العثور على لوحات تحمل أسماء الملك رمسيس الثاني، بما يعكس أهمية الموقع خلال عصر الدولة الحديثة.
مشهد لأسير ليبي من قبائل المشوش
وضمت المكتشفات كذلك لوحات تتضمن مشاهد مرتبطة بالسياق العسكري، من بينها مشهد لأسير ليبي من قبائل المشوش.
وتحمل هذه القطع أهمية خاصة عند دراسة الدور الذي لعبته الحصون الموجودة على الحدود الغربية، والتي ارتبطت بتأمين الحدود ومواجهة الأخطار القادمة من المناطق الغربية.
وكان حصن تل الأبقعين قد ارتبط في الاكتشافات السابقة بموقع الجيش المصري القديم على الطريق الحربي الغربي، الذي كان يستخدم لحماية الحدود الشمالية الغربية لمصر من هجمات القبائل الليبية وشعوب البحر.

جعارين وتمائم تحمل أسماء الملوك والمعبودات
ولم تغب المعتقدات الدينية عن المكتشفات، حيث عثرت البعثة على مجموعة من الجعارين والتمائم التي تحمل أسماء عدد من الملوك والمعبودات.
وتكشف هذه القطع عن جانب آخر من حياة سكان الحصن، حيث لم تكن وظيفتهم مرتبطة بالقتال والعمل العسكري فقط، وإنما مارسوا أيضًا شعائرهم ومعتقداتهم الدينية، واحتفظوا بالتمائم التي ارتبطت لديهم بالحماية والمعتقدات الدينية.

أوانٍ وحُلي تكشف حياة سكان الحصن
كما شملت المكتشفات أواني وأدوات وحُلي مختلفة، تقدم تفاصيل إضافية عن الحياة اليومية للأشخاص الذين عاشوا داخل الحصن.
وتساعد هذه القطع الباحثين في إعادة بناء صورة أكثر اكتمالًا للمجتمع الذي عاش في الموقع، بدءًا من طريقة إعداد الطعام وتخزين الحبوب، وصولًا إلى أدوات الاستخدام اليومي والزينة والممارسات الدينية.
الحصن.. مدينة صغيرة خلف الجدران
ومع تتابع الاكتشافات، تبدو صورة تل الأبقعين أكثر تعقيدًا من مجرد حصن عسكري؛ فالمجمعات السكنية والشوارع والصوامع والأفران والمخازن واللقى الشخصية والدينية، جميعها ترسم ملامح مجتمع عاش داخل الموقع ومارس تفاصيل حياته اليومية إلى جانب دوره في حماية الحدود.
وتكشف هذه العناصر عن وجود منظومة متكاملة للحياة داخل الحصن، تجمع بين السكن والعمل والأنشطة الاقتصادية والتخزين وإعداد الطعام والممارسات الدينية، في الوقت الذي ظل فيه الموقع يؤدي وظيفته العسكرية والاستراتيجية.
اكتشافات تعيد رسم الحياة على الحدود الغربية
وتفتح الاكتشافات الجديدة بابًا أمام الباحثين لفهم الحياة في المواقع الحدودية المصرية خلال عصر الدولة الحديثة، ليس فقط من زاوية الحروب والتحصينات، وإنما من خلال الأشخاص الذين عاشوا داخل هذه المنشآت وما تركوه وراءهم من مساكن وأدوات وكتابات ولقى أثرية.
وبين جدران تل الأبقعين، تكشف كل قطعة جديدة جانبًا من قصة مجتمع عاش على الحدود، فكان الحصن في الوقت نفسه موقعًا عسكريًا ومكانًا للسكن والعمل وممارسة الشعائر، لتتحول بقاياه اليوم إلى سجل أثري يرصد تفاصيل الحياة المصرية القديمة منذ آلاف السنين.
اقرأ أيضاً:
- من القاضي إلى رئيس الكتبة.. كشف أثري في سقارة يوثق حياة كبار موظفي الدولة القديمة
- كشف أثري بمنطقة محرم بك يُسلط الضوء على تطور الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية
- «مجلس الوزراء» يكشف حقيقة عروض الحج والعمرة الوهمية ويحذر المواطنين
- التسجيل يبدأ 4 سبتمبر…وزير السياحة يعتمد ضوابط الحج السياحي 2027
- بالون ثابت يحلق فوق أهرامات الجيزة.. تجربة سياحية جديدة بارتفاع 150 مترًا
ما رأيك في هذا الخبر؟