حذّر الدكتور مدحت نافع، منسق لجنة الاقتصاد الكلي بالمجلس الاستشاري لرئيس الوزراء والخبير الاقتصادي، من أن الاستمرار في رفع أسعار الكهرباء دون معالجة جذور الأزمة الهيكلية يدخل الاقتصاد في "حلقة مفرغة" لن ينجم عنها حلول جذرية. مؤكدًا أن المفهوم السائد بشأن اعتبار الفارق بين تكلفة الإنتاج وسعر البيع للمستهلك دعمًا مطلقًا هو "طرح مضلل"، وسينتج عنه تضخم أرقام الدعم المقدرة دائمًا لتنتقل من 100 مليار جنيه إلى مئات المليارات مستقبلاً.
تحميل المواطن تكلفة الهدر وسرقات التيار
وأوضح الخبير الاقتصادي، خلال مداخلة هاتفية عبر برنامج "اليوم هنا القاهرة" على قناة "مودرن"، أنه ليس من العدالة الاقتصادية تحميل المستهلك النهائي تبعات المشكلات الفنية والإدارية داخل القطاع، مثل ضعف كفاءة بعض محطات توليد الكهرباء، وسوء إدارة المديونيات، فضلاً عن ارتفاع نسب الفقد في شبكات النقل والتوزيع وانتشار ظاهرة سرقة التيار.
وشدد نافع على أنه "لا يجوز تحميل المواطن الملتزم بسداد فواتيره أعباء وتكلفة من يسرق الكهرباء، مثلما لا ينبغي تحميل المكلفين الضريبيين الملتزمين أعباء المتهربين من الضرائب"، لافتًا إلى أن ارتفاع تكلفة الطاقة لا يعود فقط إلى تغيرات أسعار الوقود، بل يرتبط بصورة مباشرة بخلل هيكلي يتطلب اعترافًا صريحًا ومعالجة شجاعة.

أهمية غياب "خريطة طريق" وإهمال الحلول الجذرية
وأشار منسق لجنة الاقتصاد الكلي إلى أن الحلول الاقتصادية الناجعة متوفرة بالفعل، لكن الأزمة تكمن في الإفراط في استخدام "المسكنات والحلول المؤقتة" التي تركز على معالجة أعراض الأزمة بدلاً من استئصال المرض. ودعا إلى ضرورة البدء الفوري في تنفيذ خطط الإصلاح طويلة الأجل حتى وإن تطلبت وقتًا للظهور، مع الأخذ بعين الاعتبار أثرها المباشر على الأوضاع المعيشية.
واختتم الدكتور مدحت نافع تصريحاته بالحديث عن الجانب الاجتماعي للإصلاحات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الشارع والمواطن يتحملان ضغوطًا متزايدة، دون وجود "خريطة طريق" وزمن محدد يوضح متى ستتحسن الأوضاع وتؤتي الإصلاحات ثمارها. وأكد أن عملية التنمية الشاملة يجب أن تضع المواطن في صدارة أولوياتها، بدلاً من التعامل معه كطرف يقتصر دوره على تحمل التكاليف المالية فقط.
أكد الدكتور أيمن غنيم، الخبير الاقتصادي والقانوني، أن الزيادات الأخيرة في أسعار الكهرباء تأتي استجابة لموجة عالمية واسعة من ارتفاع تكاليف الطاقة، موضحًا أن مختلف دول العالم تواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة القفزات الكبيرة في أسعار الوقود وتأثير الأزمات الجيوسياسية على الأسواق الدولية.
ارتفاع قياسي في أسعار الطاقة عالميًا
وأوضح غنيم، في مداخلة هاتفية ببرنامج «الساعة 6» المذاع عبر قناة «الحياة»، أن بيانات معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي أظهرت ارتفاع أسعار الكهرباء في دول الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 60% خلال يونيو 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ورجع هذا الارتفاع الحاد إلى زيادة أسعار الغاز الطبيعي الذي قفز من 32 يورو للميجاوات/ساعة في فبراير 2026 إلى قرابة 60 يورو حاليًا، ليُسجل تضاعفًا شبه كامل في فترة وجيزة.
وأشار إلى أن منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها أحد أهم مصادر الغاز الطبيعي المسال والنفط، تتأثر سريعة بأي اضطرابات تشهدها، مما ينعكس بشكل مباشر على الأسعار العالمية وسلاسل الإمداد.

التوازن المحالي ودعم الفئات الأكثر احتياجًا
وفيما يخص المشهد المحلي، شدد الخبير الاقتصادي على أن الدولة المصرية تنتهج سياسة متوازنة في ملف تسعير الكهرباء تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي من جهة، واستمرار دعم الفئات الأكثر احتياجًا من جهة أخرى. وأكد أن الشريحة الأولى من استهلاك الكهرباء لم تطرأ عليها أي زيادة، مراعاة لمحدودي الدخل.
وبيّن أن موازنة العام المالي 2026/2027 خصصت نحو 832 مليار جنيه لبرامج الحماية والرعاية الاجتماعية، بالإضافة إلى تخصيص 104 مليارات جنيه لدعم الكهرباء بزيادة تتجاوز 30%، وهو ما يعكس استمرار الحكومة في تحمل عبء كبير من تكلفة الطاقة نيابة عن المواطنين.