تداعيات الصراع الإيراني الإسرائيلي: اضطراب إقليمي وتحديات اقتصادية عميقة
تشهد المنطقة العربية، وتحديدًا الشرق الأوسط، حالة من الاضطراب الجيوسياسي المتفاقم، حيث يبرز الصراع الإيراني الإسرائيلي كأحد أبرز محركات هذا التوتر. تعكس الأحداث الأخيرة، حتى تاريخ 13 مايو 2026، صورة معقدة تتسم بتصاعد التوترات العسكرية والسياسية، وتداعيات اقتصادية واسعة النطاق تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي. إن هذا الصراع، الذي يمتد بجذوره التاريخية والجيوسياسية، لم يعد مجرد قضية ثنائية، بل تحول إلى محور رئيسي يؤثر على مسارات الطاقة العالمية، سلاسل الإمداد، وثقة المستثمرين، مما يدفع المنطقة نحو واحدة من أكثر الفترات حساسية منذ جائحة كورونا، ويحول الأزمة الجيوسياسية إلى صدمة اقتصادية ممتدة.
يُعد المحور الإيراني الإسرائيلي المتأزم تهديدًا وجوديًا للأمن القومي لدول عربية عدة، ويُغذي حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد الإقليمي. ففي 12 مايو 2026، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن وقف إطلاق النار مع إيران "على وشك الانهيار"، في إشارة إلى رفض طهران لمقترح أمريكي لإنهاء الصراع وتقديمها قائمة من المطالب، مما يؤكد عمق الأزمة وجمود المواقف. هذه التطورات تضع المنطقة على مفترق طرق حرج، حيث تتشابك المصالح الدولية والإقليمية في نسيج معقد من التحالفات والتحديات.
السياق التاريخي والخلفية المتفاقمة لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي

لا يمكن فهم الأبعاد الراهنة لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي بمعزل عن سياقه التاريخي الطويل، الذي يتسم بالعداء المستمر والتنافس على النفوذ في المنطقة. تعود جذور هذا الصراع إلى عقود مضت، وتحديدًا بعد الثورة الإيرانية عام 1979، التي غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط. منذ ذلك الحين، اتخذت إيران موقفًا معاديًا لإسرائيل، وتصاعد هذا العداء ليتحول إلى حرب بالوكالة في عدة ساحات إقليمية، بما في ذلك لبنان وسوريا وغزة واليمن.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في هذا التوتر، مدفوعًا بعدة عوامل. أولاً، البرنامج النووي الإيراني، الذي تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا لأمنها، وتعمل على منعه بكافة الوسائل. ثانياً، الوجود الإيراني المتنامي في سوريا ودعمها لحزب الله في لبنان، مما يشكل جبهة قريبة ومباشرة لإسرائيل. ثالثاً، التوترات المستمرة في قطاع غزة، التي شهدت في أبريل 2026 الشهر الأكثر دموية هذا العام، حيث تُعد هذه التوترات بمثابة صاعق مباشر لاستقرار المنطقة برمتها، وتزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي.
الرفض الإيراني الأخير لمقترح أمريكي لوقف إطلاق النار، وتقديمها قائمة من المطالب، يشير إلى عدم وجود حلول سريعة أو سهلة لهذا الصراع. إن هذه المطالب غالبًا ما تكون مرتبطة برفع العقوبات الاقتصادية، والاعتراف بنفوذها الإقليمي، وهي نقاط خلاف جوهرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. هذا الجمود الدبلوماسي يُذكي نيران التوترات، ويدفع باتجاه مزيد من التصعيد المحتمل، مما يجعل الصراع الإيراني الإسرائيلي قضية محورية في أي تحليل للوضع الإقليمي.
الأطراف والمواقف: من المؤيد ومن المعارض لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي
تتعدد الأطراف الفاعلة في الصراع الإيراني الإسرائيلي، وتتباين مواقفها بشكل كبير، مما يزيد من صعوبة إيجاد حلول سلمية. على الجانب الإيراني، تدعم طهران فصائل مسلحة في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان وحماس والجهاد الإسلامي في غزة، والحوثيين في اليمن، بهدف تعزيز نفوذها الإقليمي وتشكيل ما يُعرف بـ"محور المقاومة". ترى إيران في وجود إسرائيل تهديدًا لمصالحها وتطلعاتها الإقليمية، وتعتبر دعم هذه الفصائل وسيلة لردع إسرائيل والولايات المتحدة.
في المقابل، تتخذ إسرائيل موقفًا حازمًا تجاه ما تعتبره تهديدًا أمنيًا من إيران ووكلائها. تهدف إسرائيل إلى تقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، ومنع طهران من امتلاك أسلحة نووية، وتحييد قدرات الفصائل المدعومة إيرانيًا. ويُلاحظ أن سياسات إسرائيل تجاه غزة وجنوب لبنان تعكس هذا التوجه، حيث تستمر العمليات العسكرية بهدف تحقيق أهداف أمنية محددة، على الرغم من وجود اتفاقيات لوقف إطلاق النار، كما هو الحال في جنوب لبنان حيث تستمر الأعمال العدائية.
على الصعيد الدولي، تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في هذا الصراع. فبينما تسعى واشنطن إلى احتواء النفوذ الإيراني، فإنها تحاول أيضًا منع التصعيد الشامل الذي قد يهدد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. تصريحات الرئيس ترامب بخصوص انهيار وشيك لوقف إطلاق النار مع إيران، وفرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات صارمة على 12 كيانًا وشخصًا بتهمة تسهيل غسيل الأموال وشحن النفط الإيراني، يؤكد على استراتيجية الضغط الأقصى التي تتبعها الإدارة الأمريكية تجاه طهران. هذه العقوبات تستهدف بشكل مباشر الاقتصاد الإيراني وشركائه، في محاولة للحد من قدراتها المالية على تمويل أنشطتها الإقليمية.
أما بالنسبة للدول العربية، فتتراوح مواقفها بين القلق العميق من تصاعد التوترات، والسعي للحفاظ على استقرارها وأمنها القومي. العديد من الدول العربية ترى في الصراع الإيراني الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا لاستقرارها، خاصة مع امتداد الصراعات بالوكالة إلى أراضيها أو مناطق قريبة منها، مثل اليمن والسودان. التباين في الأولويات بين السعودية والإمارات في المسار السياسي اليمني، على سبيل المثال، يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي وتأثير هذه الصراعات على التحالفات الداخلية والخارجية.
الأبعاد الاقتصادية: كيف يؤثر الصراع الإيراني الإسرائيلي على الاقتصاد والمواطن؟
تُعد الأبعاد الاقتصادية لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي من الأكثر خطورة وتأثيرًا، حيث تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية للمنطقة لتشمل الاقتصاد العالمي. أكد مسؤولون اقتصاديون دوليون في 11 مايو 2026 أن الحرب في الشرق الأوسط قد تحولت من أزمة جيوسياسية إلى "صدمة اقتصادية ممتدة" تهدد النمو والاستقرار المالي والأمن الغذائي والطاقة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
تأثير الصراع الإيراني الإسرائيلي على أسعار الطاقة العالمية
يُعد قطاع الطاقة الأكثر تأثرًا بهذا الصراع. ارتفعت أسعار النفط للجلسة الثالثة على التوالي في 12 مايو 2026، حيث صعد خام برنت 3.56 دولار بنسبة 3.42% ليغلق عند 107.77 دولار للبرميل، وارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 4.11 دولار بنسبة 4.19% ليصل إلى 102.18 دولار. هذه الارتفاعات تعكس المخاوف المتزايدة من استمرار اضطرابات الإمدادات العالمية، خاصة مع التوقعات بأن يظل مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لشحن النفط والغاز، مغلقًا فعليًا حتى أواخر مايو، مما يعني خسائر أكبر في الإمدادات. أظهر استطلاع لرويترز (Reuters, 2026) أن إنتاج منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) في أبريل 2026 انخفض إلى أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين، مما يفاقم من أزمة العرض في الأسواق العالمية.
علاوة على ذلك، تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) في 8 مايو 2026 إلى أن الصراعات الجيوسياسية قد تُفقد العالم نحو 120 مليار متر مكعب من الغاز المسال بحلول عام 2030، مما ينذر بأزمة طاقة عالمية طويلة الأمد. هذه التداعيات تؤثر بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل، مما ينعكس على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي على القدرة الشرائية للمواطنين في جميع أنحاء العالم.
تراجع النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم
وفقًا لتقرير البنك الدولي الصادر في 8 أبريل 2026، من المتوقع أن يتباطأ النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء إيران) من 4.0% في عام 2025 إلى 1.8% في عام 2026 (World Bank, 2026)، وهو انخفاض بمقدار 2.4 نقطة مئوية عن التوقعات السابقة. كما تم تخفيض توقعات النمو لدول مجلس التعاون الخليجي بمقدار 3.1 نقطة مئوية، ومن المتوقع الآن أن يتراجع النمو من 4.4% في عام 2025 إلى 1.3% في عام 2026. هذا التباطؤ يُعزى بشكل كبير إلى عدم اليقين الجيوسياسي وتأثيره على ثقة المستثمرين وحركة التجارة.
في حين أن بعض الاقتصادات الكبرى في المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لا تزال تحقق معدلات نمو إيجابية (بين 3.8% و 4.2% للسعودية، وبين 4% و 4.5% للإمارات)، إلا أن التضخم المالي يظل تحديًا. تشير البيانات إلى تضخم يتراوح بين 2% و 2.3% في السعودية، وبين 2% و 2.5% في الإمارات. هذه الأرقام، على الرغم من أنها قد تبدو معتدلة، إلا أنها تمثل ضغطًا على القوة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. حتى في الاقتصادات الأوروبية، ارتفع معدل التضخم في ألمانيا قليلاً إلى 2.9% في أبريل، مما يدل على انتشار التداعيات الاقتصادية عالميًا.
| المنطقة/الدولة | النمو المتوقع 2025 | النمو المتوقع 2026 | التغيير (نقطة مئوية) |
|---|---|---|---|
| الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (باستثناء إيران) | 4.0% | 1.8% | -2.2% |
| دول مجلس التعاون الخليجي | 4.4% | 1.3% | -3.1% |
| المملكة العربية السعودية | N/A | 3.8% - 4.2% | N/A |
| الإمارات العربية المتحدة | N/A | 4.0% - 4.5% | N/A |
تأثير الصراع الإيراني الإسرائيلي على الشركات والتوظيف
تتأثر الشركات بشكل مباشر وغير مباشر بالتوترات الجيوسياسية. على سبيل المثال، سجلت شركة "العربية للتعهدات" انخفاضًا في الإيرادات بنسبة 28% وانخفاضًا في صافي الربح بنسبة 94% خلال الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالربع السابق، ويعزى ذلك بشكل واضح إلى الصراع الإيراني الإسرائيلي والاضطرابات الإقليمية. مثل هذه الأرقام تعكس التحديات التي تواجهها الشركات في بيئة غير مستقرة، مما يؤثر على الاستثمار وفرص العمل.
على الرغم من هذه التحديات، هناك بعض الأخبار الإيجابية على صعيد البطالة والفقر في بعض الدول. فقد أعلنت وزارة التخطيط العراقية في 11 مايو 2026 عن انخفاض معدلات الفقر في البلاد إلى 17%، والبطالة إلى 13% خلال السنوات الأخيرة، بعد أن كانت 22% و 16% على التوالي. هذا التحسن، إذا استمر، يمكن أن يكون نموذجًا للتعافي في ظل الظروف الصعبة، لكنه يظل استثناءً في منطقة تواجه تحديات اقتصادية هيكلية عميقة.
وفي سياق أوسع، تشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) الصادرة في 22 أبريل 2026 (IMF, 2026) إلى تغيير في ترتيب الاقتصادات العربية الكبرى وفقًا لمعيار تعادل القوة الشرائية (PPP). فمن المتوقع أن تكون أكبر خمس اقتصادات عربية في عام 2026 هي: السعودية ومصر والإمارات والجزائر والعراق. هذا التغيير، مع صعود مصر والجزائر، يعكس ديناميكيات اقتصادية داخلية وجهود إصلاح، ولكنه لا يلغي التحديات الإقليمية التي تفرضها الأزمات الجيوسياسية.
الأبعاد السياسية: تداعيات إقليمية ودولية لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي
تتجاوز الأبعاد السياسية لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي نطاق الطرفين المتصارعين، لتلقي بظلالها على الاستقرار الإقليمي والدولي بأكمله. إن استمرار التوتر في هذا المحور يُغذي الصراعات الأخرى في المنطقة، ويُضعف من فرص الحلول السلمية.
تأثير الصراع الإيراني الإسرائيلي على الاستقرار الإقليمي
تُعد التوترات في قطاع غزة وجنوب لبنان أمثلة واضحة على كيفية امتداد الصراع الإيراني الإسرائيلي إلى ساحات أخرى. ففي 12 مايو 2026، شهد جنوب لبنان تصعيدًا ميدانيًا خطيرًا، حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع متفرقة، مما أسفر عن مقتل 6 أشخاص وإصابة آخرين، على الرغم من وجود وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. هذه الأعمال العدائية المستمرة تهدد بانهيار الهدنة الهشة وتوسع دائرة الصراع.
كما يغذي هذا الصراع الحروب بالوكالة في مناطق مثل السودان واليمن. ففي السودان، تواصل الحرب المدمرة منذ أبريل 2023، وتُغذى من قبل أطراف خارجية توفر الأسلحة والتمويل والغطاء السياسي للأطراف المتحاربة. وفي اليمن، يؤدي تباين الأولويات بين السعودية والإمارات إلى إعادة تشكيل الديناميكيات السياسية في الجنوب، مما يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين الحكومة المعترف بها دوليًا والمجلس الانتقالي الجنوبي، واحتمال ترسيخ التقسيم الفعلي في ظل الانهيار الاقتصادي والأزمة الإنسانية المستمرة.
التداعيات الدولية وموقف القوى الكبرى
على الصعيد الدولي، يُعد الصراع الإيراني الإسرائيلي أحد أبرز التحديات التي تواجه الأمن العالمي. فبالإضافة إلى تأثيره على أسواق الطاقة العالمية، فإنه يعقد جهود المجتمع الدولي لمعالجة قضايا أخرى، مثل الصراع الروسي الأوكراني الذي يطوي عامه الخامس، ويلقي بثقله على سلاسل الإمداد الغذائي والطاقة. إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول انهيار وشيك لوقف إطلاق النار مع إيران، تعكس قلقًا دوليًا من تدهور الوضع نحو مواجهة أوسع.
تُظهر العقوبات الأمريكية الأخيرة على كيانات وأشخاص في هونج كونج والإمارات وعمان، بتهمة تسهيل شحن النفط الإيراني، عزم الولايات المتحدة على استخدام أدوات الضغط الاقتصادي لعرقلة القدرات الإيرانية. هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف إلى الضغط على إيران، إلا أنها قد تؤدي إلى تصعيد التوترات الاقتصادية والسياسية في المنطقة، وتُجبر الأطراف على اتخاذ مواقف أكثر حزمًا، مما يزيد من صعوبة إيجاد حلول دبلوماسية.
السيناريوهات المستقبلية لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي
في ظل التعقيدات الراهنة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع الإيراني الإسرائيلي وتداعياته الإقليمية والدولية:
السيناريو المتفائل: تهدئة تدريجية ومفاوضات ناجحة
يفترض هذا السيناريو أن تنجح الجهود الدبلوماسية الدولية في تحقيق تهدئة تدريجية للتوترات. قد يتضمن ذلك تفعيل قنوات اتصال خلفية بين الأطراف المتصارعة، بوساطة قوى إقليمية ودولية فاعلة. تتمثل ملامح هذا السيناريو في قبول إيران لمقترح معدل لوقف إطلاق النار، مع تنازلات من الجانب الأمريكي بخصوص بعض العقوبات، مقابل التزام إيراني بتقليص دعمها للفصائل المسلحة وتجميد برنامجها النووي. قد يؤدي ذلك إلى استئناف المفاوضات حول الاتفاق النووي، والتوصل إلى تفاهمات حول الأمن الإقليمي. من شأن هذا السيناريو أن يخفف الضغط على أسواق الطاقة، ويعزز ثقة المستثمرين، مما يدعم النمو الاقتصادي في المنطقة، ويفتح الباب أمام حلول سياسية لأزمات أخرى مثل غزة ولبنان. يتطلب هذا السيناريو إرادة سياسية قوية من جميع الأطراف، وتنسيقًا دوليًا فعالًا، وهو أمر صعب التحقق في ظل المواقف الحالية.
السيناريو المحايد: استمرار حالة الجمود والتوترات المتقطعة
يرجح هذا السيناريو استمرار الوضع الراهن، حيث لا يحدث تصعيد كبير ولا انفراجة حقيقية في الصراع الإيراني الإسرائيلي. ستظل التوترات قائمة، مع اشتباكات متقطعة في ساحات مثل غزة وجنوب لبنان، وعمليات استهداف محدودة بين إسرائيل وإيران أو وكلائها. ستستمر العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران، مما يحد من قدراتها المالية، لكنه لن يوقف دعمها للفصائل الإقليمية بشكل كامل. ستظل أسعار النفط والغاز عرضة للتقلبات بسبب عدم اليقين الجيوسياسي، ولكن دون ارتفاعات كارثية. سيتسم النمو الاقتصادي في المنطقة بالتباطؤ، مع استمرار التضخم، وستجد الشركات صعوبة في التخطيط للمستقبل. هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير والمتوسط، حيث لا توجد مؤشرات قوية على تغيير جذري في مواقف الأطراف، ويُفضل الجميع تجنب التصعيد الشامل مع الحفاظ على خطوط حمراء معينة.
السيناريو المتشائم: تصعيد واسع النطاق ومواجهة مفتوحة
يتخيل هذا السيناريو تصعيدًا خطيرًا لـ الصراع الإيراني الإسرائيلي، قد يصل إلى مواجهة عسكرية مباشرة أو شبه مباشرة بين إيران وإسرائيل، وربما بمشاركة الولايات المتحدة. قد ينجم هذا التصعيد عن حادث أمني كبير، أو فشل ذريع للمفاوضات، أو قرار إيراني بتسريع برنامجها النووي، أو عملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية أو تابعة لوكلائها. ستكون التداعيات الاقتصادية لهذا السيناريو كارثية، حيث ستشهد أسعار النفط والغاز ارتفاعات غير مسبوقة، وقد يُغلق مضيق هرمز بالكامل لفترة طويلة، مما يعطل سلاسل الإمداد العالمية ويؤدي إلى ركود اقتصادي عالمي حاد. ستتدهور الأوضاع الإنسانية في المنطقة بشكل كبير، وستتفكك التحالفات الإقليمية، وتزداد حدة الصراعات الأخرى في السودان واليمن وسوريا. هذا السيناريو يمثل كابوسًا للمنطقة والعالم، ويُعد الأكثر خطورة، لكنه ليس مستبعدًا تمامًا في ظل التوترات الحالية.
رأي المحلل: ضرورة احتواء الصراع الإيراني الإسرائيلي وتداعياته
إن الوضع الراهن في الشرق الأوسط، والمتمثل في تصاعد الصراع الإيراني الإسرائيلي، يستدعي مقاربة شاملة ومتعددة الأوجه لاحتوائه وتخفيف تداعياته. من وجهة نظر تحليلية، فإن الاعتماد على سياسات الضغط الأقصى والعقوبات الاقتصادية وحدها، دون مسار دبلوماسي موازٍ وفعال، قد يؤدي إلى نتائج عكسية ويدفع الأطراف نحو مزيد من التصعيد. لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الأزمات المعقدة مثل هذه تتطلب حلولاً سياسية ودبلوماسية تُشرك جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك القوى الإقليمية والدولية.
يجب على المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، أن يُعيد تفعيل قنوات الحوار مع إيران، وأن يُقدم مقترحات واقعية قابلة للتطبيق تأخذ في الاعتبار المخاوف الأمنية لكل من إسرائيل وإيران، وتطلعات المنطقة نحو الاستقرار. إن أي حل مستدام يجب أن يتضمن ضمانات أمنية لإسرائيل، وفي الوقت نفسه، رفعًا تدريجيًا للعقوبات عن إيران مقابل التزامها ببرنامج نووي سلمي ووقف دعمها للفصائل المسلحة التي تهدد استقرار المنطقة. كما يجب أن يُركز على بناء الثقة بين الأطراف، وتعزيز آليات التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة.
على الصعيد الاقتصادي، يتوجب على الدول المتضررة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن تُسرع في تنفيذ إصلاحات اقتصادية هيكلية لتعزيز مرونتها في مواجهة الصدمات الخارجية. يجب تنويع مصادر الدخل، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز، والاستثمار في القطاعات غير النفطية، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمارات الأجنبية. كما أن تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يخفف من حدة التداعيات السلبية لتقلبات أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.
إن استمرار الصراع الإيراني الإسرائيلي وتداعياته يُعد تحديًا وجوديًا للمنطقة. فـ"لا تنمية بدون سلام"، كما أكد الرئيس السيسي من نيروبي، وإصلاح النظام المالي العالمي "ضرورة حتمية" لمواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة. إن الفشل في احتواء هذا الصراع سيُلقي بظلاله القاتمة على مستقبل الأجيال القادمة، ويُهدد بتحويل المنطقة إلى بؤرة دائمة لعدم الاستقرار، مما يستدعي تحركًا عاجلاً وحازمًا من جميع الأطراف المعنية.
وأخيرًا، لا يمكن فصل هذا الصراع عن ملفات إقليمية أخرى مثل الوضع في غزة، والاشتباكات في جنوب لبنان، والصراع في السودان، والمسارات السياسية في سوريا واليمن. كل هذه القضايا تتشابك وتتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالتوترات المحورية بين إيران وإسرائيل. لذا، فإن أي استراتيجية للتعامل مع هذا الصراع يجب أن تكون جزءًا من رؤية أوسع وأشمل للاستقرار الإقليمي، مع إعطاء الأولوية للحلول السلمية والدبلوماسية التي تضمن أمن جميع شعوب المنطقة ومستقبلها.