مدبولي من منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»: المدن الأفريقية أمام فرصة تاريخية للنمو والتصنيع وخلق فرص العمل
أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن القارة الأفريقية تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل اقتصاداتها ومجتمعاتها، وجعل المدن محركات للنمو والإنتاجية والتصنيع وخلق فرص العمل، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك خبرة تنفيذية يمكن توظيفها بالتعاون مع الدول الأفريقية في تصميم وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة، وفقًا لاحتياجات كل دولة وخصوصياتها.
كما أكد رئيس الوزراء أن التكنولوجيا لم تعد عنصرًا تكميليًا في إدارة المدن، وإنما أصبحت أداة أساسية لتحسين كفاءة استخدام الموارد، وإدارة حركة المرور والطاقة والمياه، وتحسين الخدمات الحكومية، وتوفير بيانات تساعد صانع القرار على التخطيط والاستجابة بصورة أسرع وأكثر دقة.
جاء ذلك خلال الكلمة التي ألقاها الدكتور مصطفى مدبولي في الجلسة العامة حول المدن والتنمية العمرانية، على هامش فعاليات الدورة الأولى لمنتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، المنعقد بمدينة العلمين الجديدة، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية.

وفي بداية كلمته، أعرب الدكتور مصطفى مدبولي عن سعادته بالمشاركة في حوار حول مستقبل المدن والتنمية العمرانية في أفريقيا، في وقت تقف فيه المدن الأفريقية أمام تحول ديموغرافي واقتصادي غير مسبوق، يجعل من قضية التحضر إحدى أهم القضايا التي ستحدد ملامح مستقبل القارة خلال العقود المقبلة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن القارة الأفريقية تشهد واحدًا من أسرع معدلات التحضر في العالم، ومع توقع تضاعف عدد سكان المدن الأفريقية بحلول عام 2050، فإن الأمر لا يتعلق فقط بالتعامل مع تحديات توفير السكن والخدمات والبنية الأساسية، وإنما نحن أمام فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الاقتصادات والمجتمعات، وجعل المدن محركات للنمو والإنتاجية والتصنيع وخلق فرص العمل.
وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن السؤال الذي ينبغي طرحه لا يقتصر على: كيف نستوعب النمو الحضري؟ وإنما يمتد إلى: كيف نحول هذا النمو إلى قوة دافعة للتنمية الشاملة والتحول الهيكلي في اقتصاداتنا؟
وأضاف أن الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في تغيير النظرة إلى المدينة؛ فالمدينة ليست مجرد تجمع سكاني أو مجموعة من المباني والطرق، وإنما هي منظومة اقتصادية واجتماعية وبيئية متكاملة، تتفاعل فيها منظومات النقل والطاقة والإسكان والصناعة والخدمات والمياه والاتصالات والمساحات الخضراء.
وأكد أن التخطيط الحضري في أفريقيا يجب أن ينتقل من التعامل مع هذه القطاعات بصورة منفصلة إلى تخطيط متكامل، يضع الإنسان والاقتصاد والبيئة في قلب عملية التنمية.
وفي السياق نفسه، أكد رئيس الوزراء أن سرعة التحضر التي تشهدها أفريقيا تفرض التحرك بصورة استباقية، وتجنب النمو الحضري غير المخطط، لما يؤدي إليه من اتساع الفجوات في الخدمات، وارتفاع تكاليف البنية الأساسية، وزيادة الضغوط على البيئة والموارد الطبيعية.
ولفت إلى أن الاستدامة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيدًا على التنمية، وإنما باعتبارها شرطًا لتعزيز قدرتها على الاستمرار، موضحًا أن المدينة التي لا تستطيع التعامل مع موجات الحرارة أو الفيضانات أو ندرة المياه أو الضغوط على الطاقة، لن تكون قادرة على توفير بيئة مواتية للاستثمار والإنتاج والحياة الكريمة.
وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن المرونة المناخية أصبحت جزءًا أساسيًا من التخطيط العمراني منذ المراحل الأولى، وليست مجرد إجراء تصحيحي يتم اللجوء إليه بعد وقوع الأزمات.
التحول الرقمي ودوره في إدارة المدن
وتطرق الدكتور مصطفى مدبولي، خلال كلمته، إلى التحول الرقمي، موضحًا أن التكنولوجيا لم تعد عنصرًا تكميليًا في إدارة المدن، بل أصبحت أداة لتحسين كفاءة استخدام الموارد، وإدارة حركة المرور والطاقة والمياه، وتحسين الخدمات الحكومية، وتوفير بيانات تساعد صانع القرار على التخطيط والاستجابة بصورة أسرع وأكثر دقة.
وأوضح رئيس الوزراء أن مصر تنظر إلى هذه التحديات من واقع تجربة عملية ممتدة في التخطيط العمراني وإعادة توزيع التنمية على المستوى الجغرافي، مشيرًا إلى تبني مصر خلال السنوات الماضية سياسة للتوسع في إنشاء المجتمعات العمرانية الجديدة، بهدف استيعاب النمو السكاني، وتخفيف الضغوط عن المدن القائمة، وتحقيق قدر أكبر من التوازن في توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية.
وأشار إلى أن هذه السياسة تأتي في إطار رؤية أوسع ترتكز كذلك على تحسين الاتصال بين المدن، وتطوير منظومة متكاملة من المدن، وتعزيز الحوكمة وإدارة الأراضي والتنمية الاقتصادية المحلية، موضحًا أن مصر اعتمدت في نهاية عام 2023 سياسة وطنية جديدة للتنمية العمرانية تقوم على هذه المحاور.

مدن الجيل الرابع.. نموذج للتنمية المتكاملة
وفيما يتعلق بمفهوم مدن الجيل الرابع، لفت الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن هذا المفهوم أصبح جزءًا مهمًا من هذه التجربة، موضحًا أن الهدف لا يقتصر على إنشاء تجمعات سكنية جديدة، وإنما يستهدف بناء مدن متكاملة قادرة على استضافة الأنشطة الاقتصادية والخدمية والصناعية والسياحية، وربطها بشبكات النقل والطاقة والمرافق والاتصالات الحديثة.
وفي هذا الإطار، أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أن هذه التجربة تجسدها مجموعة من المشروعات الكبرى التي أصبحت نماذج عملية لتكامل التخطيط العمراني مع البنية الأساسية والتنمية الاقتصادية، وفي مقدمتها «العاصمة الجديدة»، بما تضمه من مكونات حكومية واقتصادية وخدمية وبنية رقمية متطورة.
كما أشار إلى مدينة «العلمين الجديدة»، باعتبارها نموذجًا لمدينة متكاملة تعمل على مدار العام، وتجمع بين الاستخدامات السكنية والسياحية والتعليمية والاقتصادية، إلى جانب مدينة «المنصورة الجديدة»، التي تم تطويرها وفق توجهات الاستدامة وكفاءة الطاقة والتحول الرقمي والقدرة على التكيف مع المتغيرات المناخية.
وأوضح رئيس الوزراء أن هذه المشروعات، إلى جانب عشرات المدن والمجتمعات العمرانية الجديدة، تمثل حصيلة خبرة مصرية تراكمت على مدى عقود في التخطيط والتنفيذ وتوفير المرافق والخدمات وإدارة التنمية العمرانية.
خبرة مصرية تمتد إلى القارة الأفريقية
ولفت رئيس الوزراء إلى أن هذه الخبرة المصرية لا تقتصر على تنفيذها داخل مصر فقط، بل بدأت تمتد إلى القارة الأفريقية من خلال ما تنفذه الشركات المصرية من مشروعات كبرى للبنية الأساسية والخدمات، بما يبرهن على قدرتها على العمل في بيئات مختلفة ونقل الخبرات الفنية والإدارية إلى الشركاء الأفارقة.
وساق الدكتور مصطفى مدبولي عددًا من أبرز هذه النماذج، مثل مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، الذي شارك في افتتاحه نيابة عن فخامة السيد رئيس الجمهورية، والذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.
وأشار كذلك إلى مشروعات الطرق والجسور التي نفذتها الشركات المصرية في أوغندا، ومن بينها طريق وجسر «ساكا»، فضلًا عن مشروعات البنية الأساسية والطرق في غانا، التي تشمل أعمالًا نفذتها شركة المقاولون العرب، من بينها طريق «وينيبا – تاكورادي»، ومشروعات تطوير وتوسعة عدد من المنشآت الرياضية.
وأكد رئيس الوزراء أن هذه الخبرات تؤكد أن مصر لا تطرح نموذجًا نظريًا، وإنما تمتلك خبرة تنفيذية يمكن توظيفها، بالتعاون مع الدول الأفريقية، في تصميم وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية والمدن الجديدة وفقًا لاحتياجات كل دولة وخصوصياتها.
كما شدد الدكتور مصطفى مدبولي على أن مصر مستعدة لتوسيع نطاق هذا التعاون، ليس فقط من خلال تنفيذ المشروعات، وإنما أيضًا من خلال نقل المعرفة والخبرات في مجالات التخطيط العمراني، وتصميم المدن، وإدارة المرافق، والبنية الأساسية، والحوكمة الحضرية، وبناء القدرات الوطنية، بما يتيح للدول الأفريقية الاستفادة من التجربة المصرية وتطوير حلولها الخاصة التي تتناسب مع ظروفها وأولوياتها.

وأكد رئيس الوزراء كذلك استعداد مصر لنقل خبراتها في إنشاء المدن الجديدة والبنية الأساسية إلى عدد من الدول الأفريقية، بما يعكس توجهًا أوسع نحو مشاركة الخبرة المصرية مع الأشقاء في القارة.
وأوضح أن التجربة المصرية تعلمنا أيضًا أن إنشاء مدينة جديدة ليس هو الهدف في حد ذاته، وإنما الهدف الحقيقي هو خلق مجتمع نابض بالحياة، تتوافر فيه فرص العمل والخدمات والتعليم والرعاية الصحية ووسائل النقل، وتتوافر فيه البيئة المناسبة للاستثمار والابتكار.
وأضاف أن نجاح المدن الجديدة يقاس بقدرتها على التحول من مشروعات عمرانية إلى مراكز إنتاج ومعرفة وخدمات، وبقدرتها على الاندماج مع منظومة الاقتصاد الوطني والإقليمي.
التمويل أحد أبرز تحديات المدن الأفريقية
وسرد رئيس الوزراء عددًا من التحديات التي تواجه المدن الأفريقية، والتي يأتي في مقدمتها التمويل، موضحًا أن الفجوة في تمويل البنية الأساسية والإسكان والخدمات الحضرية لا يمكن للدولة وحدها أن تسدها، وهو ما يتطلب تطوير نماذج أكثر ابتكارًا للشراكة بين الحكومات والقطاع الخاص ومؤسسات التمويل التنموي والمستثمرين طويلي الأجل.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أهمية توجيه جزء أكبر من رؤوس الأموال طويلة الأجل، بما في ذلك صناديق الاستثمار والمؤسسات الاستثمارية، نحو مشروعات الإسكان والبنية الأساسية الحضرية القابلة للاستدامة، مع توفير الأطر التنظيمية التي تخفض المخاطر وتزيد القدرة على جذب الاستثمار.
كما أكد أهمية تطوير آليات تمويل الإسكان الميسر، حتى لا يتحول النمو الحضري إلى عامل يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية أو زيادة معدلات السكن غير الرسمي.
وأضاف أنه من واقع التجربة المصرية، فإن التنمية العمرانية ارتبطت كذلك بتوسيع نطاق مشروعات الإسكان بمختلف أنواعه، مع استمرار الدولة في تنفيذ مشروعات للإسكان الاجتماعي، وتطوير خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، والتوسع في المجتمعات العمرانية الجديدة.
وأشار إلى أنه في خطة العام المالي 2025/2026، استهدفت الحكومة المصرية إطلاق 310 آلاف وحدة سكنية جديدة، منها 285 ألف وحدة للإسكان الاجتماعي.
التعاون الأفريقي في مجال التنمية العمرانية
كما أوضح رئيس الوزراء أن التعاون الأفريقي في مجال التنمية العمرانية يجب أن يحتل مكانة أكبر في أجندة التعاون القاري، مشيرًا إلى أن مصر استضافت في القاهرة عام 2022 الدورة الرابعة للجنة الفنية المتخصصة للاتحاد الأفريقي المعنية بالخدمة العامة والإدارة المحلية والتنمية الحضرية واللامركزية.
وأوضح أن هذه الدورة شهدت اتخاذ قرار بإنشاء منتدى أفريقيا الحضري، ليكون منصة قارية للحوار رفيع المستوى حول مستقبل المدن الأفريقية والتحديات والفرص المرتبطة بالتحضر والتنمية العمرانية.
وأشار إلى أن المنتدى تطور ليصبح منصة تجمع صناع السياسات والخبراء والشركاء وممثلي المدن، بهدف تعزيز تنفيذ أجندة 2063 وأهداف التنمية المستدامة والأجندة الحضرية الجديدة للأمم المتحدة، وتبادل الخبرات والممارسات القابلة للتطبيق بين المدن الأفريقية.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي أن هذه المنصة تمثل فرصة مهمة للانتقال من تبادل الخبرات إلى بناء شراكات ومشروعات مشتركة، خاصة في مجالات التخطيط الحضري، والإسكان الميسر، والمدن الذكية، وإدارة المياه، والنقل الحضري، والطاقة النظيفة، والتمويل الحضري.
كما أكد أهمية تطوير التعاون الثنائي بين الدول الأفريقية، وتبادل الخبرات الفنية والمؤسسية، إلى جانب تعزيز التعاون متعدد الأطراف مع الاتحاد الأفريقي والمؤسسات المالية والتنموية والشركاء الدوليين.

أفريقيا لا تحتاج إلى نموذج واحد للمدينة
وخلال كلمته، عبر رئيس الوزراء عن اعتقاده بأن أفريقيا لا تحتاج إلى نموذج واحد للمدينة، وأنه لا ينبغي السعي إلى استنساخ تجربة بعينها في جميع الدول، مؤكدًا أن لكل دولة ومدينة ظروفها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية.
وأوضح أهمية المشاركة في المبادئ والأدوات والخبرات، وفي مقدمتها التخطيط المتكامل، والاستخدام الكفء للأراضي، وربط التنمية العمرانية بالنشاط الاقتصادي، وتوفير الإسكان الميسر، وتعزيز النقل المستدام، والاستثمار في البنية الرقمية، ودمج اعتبارات المناخ والبيئة منذ البداية.
وأكد ضرورة أن تكون المدن الأفريقية مدنًا للفرص، تتيح للشباب العمل والابتكار وريادة الأعمال، وتوفر للمواطنين خدمات جيدة وحياة كريمة، وتمنح المستثمرين بيئة مستقرة وقابلة للنمو.
كما أوضح الدكتور مصطفى مدبولي أن رؤية مصر تتمثل في أن تكون عملية التحضر في أفريقيا محركًا للتحول الاقتصادي، وليس مجرد نتيجة له، وأن تصبح المدن منصات للإنتاج والتصنيع والابتكار، ومراكز لربط الأسواق، وجسورًا للتواصل بين الشعوب والتكامل بين الاقتصادات الأفريقية.
وأكد رئيس الوزراء أن مستقبل القارة الأفريقية يرتبط بمستقبل مدنها، إذا تم إحسان التخطيط لهذا المستقبل، وتوفير التمويل المناسب، وتوظيف التكنولوجيا، إلى جانب ربط التنمية العمرانية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وأشار إلى أن التحضر السريع، الذي يمثل تحديًا في الوقت الراهن، يمكن أن يتحول إلى واحدة من أعظم فرص القارة في القرن الحادي والعشرين.
مصر مستعدة لمواصلة تبادل الخبرات مع الأشقاء الأفارقة
وفي ختام كلمته، أكد رئيس مجلس الوزراء استعداد مصر لمواصلة تبادل الخبرات مع أشقائها الأفارقة، والعمل معهم ومع شركائها من مؤسسات التمويل والتنمية والقطاع الخاص؛ من أجل بناء مدن أكثر قدرة على الصمود، وأكثر تنافسية، وأكثر شمولًا، تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
وشدد الدكتور مصطفى مدبولي على أهمية جعل مدن أفريقيا محركات للنمو، وتحويل التخطيط العمراني إلى أداة للتكامل، وتوظيف الابتكار والتكنولوجيا وسيلة لتحسين حياة الشعوب، وجعل التعاون المشترك أساسًا لبناء مدن أفريقية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.









اقرأ أيضاً:
- رئيسة بلغاريا تستقبل مدبولي في نيويورك وتؤكد تقديرها لدور مصر في تهدئة الشرق الأوسط
- «أمن السودان خط أحمر».. أبرز رسائل السيسي خلال لقائه بوتين في قمة بريكس
- برلماني: رسائل الرئيس السيسي في ذكرى المولد النبوي تؤكد المصارحة والوعي واستكمال مسيرة الإصلاح
- النائب ممدوح جاب الله: توجيهات الرئيس في المولد النبوي تعكس حرص الدولة على المواطن وتعزيز الوعي الوطني
- مدبولي: القاهرة تجمع شباب القارة في أجواء من الصداقة والتنافس
ما رأيك في هذا الخبر؟