يكثف الجيش الإسرائيلي محاولاته للسيطرة على مجرى نهر الليطاني جنوبي لبنان، في خطوة وصفت بأنها تأتي ضمن مساعيه الرامية إلى إنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية. وتثير هذه التطورات قلقاً متزايداً بشأن احتمالات تصعيد الأوضاع على الحدود الشمالية لإسرائيل، والتي تشهد منذ أشهر تبادلاً شبه يومي لإطلاق النار مع حزب الله وفصائل لبنانية أخرى.
يأتي هذا التصعيد في خضم التوترات الإقليمية المتفاقمة، وتحديداً منذ اندلاع الحرب في غزة. فقد تحولت الحدود اللبنانية-الإسرائيلية إلى جبهة ساخنة، حيث أدت الاشتباكات المستمرة إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان على جانبي الحدود، وتسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة. لطالما كان نهر الليطاني، الشريان المائي الأهم في لبنان، يمثل خطاً استراتيجياً وحساساً، وكانت المطالبات الإسرائيلية المتكررة بإبعاد القوات غير الحكومية إلى شماله جزءاً من مطالبها الأمنية، وتحديداً ضمن بنود قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الصادر عام 2006. وتذكر هذه المساعي بفترة "الحزام الأمني" الإسرائيلي السابق في جنوب لبنان قبل الانسحاب عام 2000.
تثير هذه الخطوات الإسرائيلية تداعيات خطيرة على سيادة لبنان واستقراره، وتشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية. فمن شأن أي محاولة لفرض منطقة عازلة بالقوة أن تؤدي إلى تفاقم الصراع ودفعه نحو حرب أوسع نطاقاً، لا سيما في ظل التعهدات المتكررة من جانب حزب الله اللبناني بالتصدي لأي انتهاك للسيادة اللبنانية. وبينما يرى مراقبون أن إسرائيل تسعى لتحقيق أهداف أمنية طويلة الأمد في المنطقة الحدودية، يخشى آخرون أن تكون هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية لتغيير الحقائق على الأرض بالقوة، مما قد يعقد أي حلول دبلوماسية مستقبلية. كما أن السيطرة على مجرى الليطاني قد تحمل أبعاداً مائية واقتصادية حاسمة بالنسبة للبنان.
في المقابل، تتزايد الدعوات الإقليمية والدولية لضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد. وتعمل الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية على جهود دبلوماسية مكثفة لتهدئة الأوضاع، وتسعى إلى تطبيق كامل لقرار 1701، الذي يدعو إلى انسحاب القوات غير الحكومية من جنوب الليطاني ونشر الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. غير أن هذه الجهود تصطدم بتعقيدات الوضع الميداني المتوتر وغياب الثقة بين الأطراف المتصارعة، ما يجعل مهمة نزع فتيل الأزمة أمراً بالغ الصعوبة. وتخشى الأوساط الدولية من أن يؤدي أي خطأ في التقدير إلى إشعال فتيل حرب إقليمية مدمرة.
وبينما تتسارع الأحداث على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، يبقى مستقبل المنطقة معلقاً على خيط رفيع. فاحتمالات التصعيد الكبرى تلوح في الأفق، ما لم تتدخل جهود دبلوماسية فاعلة لوضع حد للمساعي الإسرائيلية وإنقاذ المنطقة من حرب قد تكون تداعياتها كارثية على الجميع.