حرية الصحافة بلبنان: "مهنة الموت" تحت نيران الاتهامات المتبادلة
مع حلول اليوم العالمي لحرية الصحافة، يتجدد الجدل حول سلامة الإعلاميين في مناطق النزاع، ويواجه الصحفيون اللبنانيون واقعاً مريراً يتسم بالخطر المتزايد، خاصة في أعقاب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان. فبينما يحتفي العالم بالدور الحيوي للصحافة، تُسلط الأضواء على سلسلة من الحوادث الدامية التي أودت بحياة العديد من الإعلاميين في الأراضي اللبنانية، ما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل هذه المهنة النبيلة في منطقة ملتهبة.
وفي تطور لافت، وجهت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) اتهامات صريحة للجيش الإسرائيلي باستهداف الصحفيين "عمداً" خلال المواجهات الأخيرة، وهو ما تعتبره المنظمة الدولية انتهاكاً صارخاً للقوانين الإنسانية الدولية التي تمنح الصحفيين حماية خاصة في مناطق النزاع. غير أن تل أبيب، بدورها، تنفي هذه الاتهامات بشدة، مؤكدة أن عملياتها تستهدف أهدافاً عسكرية ولا تستهدف المدنيين أو الإعلاميين بشكل متعمد، ومشددة على التزامها بالقانون الدولي.
تأتي هذه التطورات في سياق تصاعد المخاطر التي يواجهها الصحفيون في مختلف أنحاء العالم، وخاصة في الشرق الأوسط الذي يشهد صراعات متواصلة. فمنذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة وجنوب لبنان، وثقت منظمات حقوقية وإعلامية دولية سقوط عدد غير مسبوق من الصحفيين، منهم من قضى أثناء تأدية واجبهم المهني في تغطية الأحداث. هذا المشهد الدموي ليس بجديد تماماً، فقد سبق وأن شهدت المنطقة حوادث مماثلة أثارت قلقاً دولياً بشأن حرية الصحافة وسلامة العاملين فيها، إلا أن وتيرة وشدة الاستهداف في الآونة الأخيرة تثير إنذاراً خاصاً.
وبينما تُشدد لجنة حماية الصحفيين على ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في كل حادثة لاستهداف إعلامي، مؤكدة أن الإفلات من العقاب يشجع على تكرار مثل هذه الانتهاكات، تضع هذه الاتهامات المباشرة الجيش الإسرائيلي تحت مجهر التدقيق الدولي. فالقانون الإنساني الدولي يعتبر الصحفيين مدنيين ويجب حمايتهم ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية، كما يفرض على أطراف النزاع اتخاذ كافة الاحتياطات لتجنب إلحاق الأذى بهم. إن استهدافهم، إذا ما ثبت، قد يرقى إلى جريمة حرب تستدعي المساءلة.
على الصعيد الدولي، تتوالى الدعوات من قبل الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان العالمية لضمان حماية الصحفيين وتسهيل عملهم دون خوف أو تهديد. فمنظمة "مراسلون بلا حدود" وغيرها من الهيئات المعنية بحرية التعبير طالبت مراراً بوضع آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين عن استهداف الصحفيين، مؤكدة أن حرية الصحافة ليست مجرد حق للصحفيين، بل هي ركيزة أساسية للديمقراطية وحق الجمهور في المعرفة.
في خضم هذا المشهد المعقد، يبقى التحدي الأكبر هو كسر حلقة العنف والإفلات من العقاب، وضمان أن تظل الصحافة مهنة البحث عن الحقيقة وليست "مهنة الموت". إن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة ملحة لاستمرار تدفق المعلومات الموثوقة، وتوثيق الأحداث، والحفاظ على الشفافية في أوقات الأزمات.
ما رأيك في هذا الخبر؟