تتصدر الأوساط السياسية والدراسات الاستراتيجية نقاشاً حاداً حول المقارنات التاريخية المحتملة لأي مواجهة عسكرية واسعة النطاق مع إيران، حيث يبرز تساؤل جوهري: هل يمكن أن يُشكل صراع محتمل في الخليج "أزمة سويس جديدة" للولايات المتحدة؟ هذا التساؤل، الذي يستدعي دروساً من التاريخ، يدعو الرئيس الأمريكي إلى تمحيص دقيق للتداعيات المحتملة لأي خطوة عسكرية، محذراً من الوقوع في فخ المآلات غير المحسوبة.
وبينما تتواصل التوترات بين واشنطن وطهران على جبهات متعددة، بدءاً من الملف النووي الإيراني وصولاً إلى نفوذها الإقليمي عبر وكلائها، تعود أزمة السويس عام 1956 لتلقي بظلالها على المشهد الحالي. تلك الأزمة، التي شهدت تدخلاً عسكرياً بريطانياً فرنسياً إسرائيلياً في مصر، لم تُسفر إلا عن تراجع مذل للقوى المتدخلة تحت وطأة الضغوط الدولية، لتعيد رسم خرائط النفوذ العالمي وتُعجّل بانهيار الإمبراطوريات القديمة. يرى محللون أن الدروس المستخلصة من السويس تتمثل في مخاطر سوء التقدير، وتجاهل الإرادة الدولية، والاستهانة بقدرة الخصوم على الصمود، فضلاً عن الأثمان الباهظة التي تدفعها القوى العظمى عند التسرع في اتخاذ قرارات الحرب.
في تطور لافت، يُشير هذا الطرح إلى أن أي مواجهة عسكرية مع إيران لن تقتصر تداعياتها على المنطقة فحسب، بل ستمتد لتشمل الاقتصاد العالمي، خاصة أسواق الطاقة، مع ما يترتب عليها من أزمات إنسانية وتشريد لملايين البشر. إن الأطراف المعنية بهذا السيناريو متعددة؛ فإيران ستجد نفسها في مواجهة مفتوحة قد تُهدد نظامها، بينما قد تخسر الولايات المتحدة الكثير من رصيدها الدبلوماسي والعسكري، وتُضعف من مكانتها كقوة عظمى. أما حلفاء واشنطن في المنطقة، كإسرائيل ودول الخليج، فهم يراقبون بحذر شديد، ويدركون حجم المخاطر التي قد تُحيق بأمنهم واستقرارهم حال اندلاع شرارة الصراع، فيما قد تُستنزف مواردهم وتُهدد مشاريعهم التنموية.
وفي المقابل، فإن الموقف الدولي حيال أي تصعيد عسكري تجاه إيران يتسم بالانقسام. ففي حين تُبدي بعض القوى الإقليمية استعدادها لدعم أي تحرك يهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني، فإن دولاً كبرى مثل روسيا والصين ترفض بشدة أي عمل عسكري أحادي الجانب، وتُطالب بالحلول الدبلوماسية. كما تسعى القوى الأوروبية جاهدةً للحفاظ على اتفاقياتها مع طهران وتجنب أي تصعيد قد يزعزع استقرار المنطقة برمتها، مؤكدة على أهمية مسارات التفاوض لإنهاء الأزمة النووية والتعامل مع المخاوف الأمنية الأخرى.
خلاصة القول، إن السيناريو الذي تطرحه المقارنة التاريخية مع أزمة السويس يُعد بمثابة جرس إنذار لواشنطن. فالمطلوب اليوم هو حكمة سياسية بالغة، واستلهام عميق لدروس التاريخ، لتجنب أي مغامرة عسكرية قد تُحدث تحولاً جيوسياسياً كارثياً، وتُكلّف الجميع أثماناً لا تُحتمل، وتُعيد رسم ملامح منطقة الشرق الأوسط والعالم بأكمله بشكل لا يُحمد عقباه.