مضيق هرمز: كيف تحولت ورقة إيران الرابحة لعبء داخلي؟
في تطور لافت يعكس التغيرات الحادة في موازين القوى الإقليمية والدولية، لم يعد مضيق هرمز، الشريان الحيوي للطاقة العالمية، مجرد ورقة ضغط بيد طهران، بل تحول إلى عبء استراتيجي يثقل كاهل الداخل الإيراني. يأتي هذا التحول في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، التي تكشف عن ارتداد السياسات التصعيدية على صانعها، في مشهد يشبه من يطلق الرصاص على قدميه. فالنظام الإيراني، الذي طالما استخدم التهديد بعرقلة الملاحة في المضيق لابتزاز المجتمع الدولي، يجد نفسه اليوم محاصراً بتداعيات هذا النهج على سياساته واقتصاده، ما يولد ضغوطاً متزايدة على الساحة الداخلية.
يأتي هذا التحول في سياق معقد، بدأ بانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 وإعادة فرض العقوبات القاسية على قطاعات حيوية، أبرزها النفط الإيراني. لطالما اعتبرت طهران مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ورقة استراتيجية أساسية للرد على أي ضغوط غربية، مهددة بإغلاقه أو عرقلة الملاحة فيه. هذه التهديدات، التي كانت تثير قلقاً دولياً واسعاً، تهدف إلى الضغط على القوى الكبرى لتقديم تنازلات. غير أن الواقع الحالي يشير إلى أن قدرة إيران على استغلال هذه الورقة تراجعت بشكل كبير، مع تزايد كلفة أي تصعيد محتمل عليها داخلياً وخارجياً.
تتزايد الضغوط الداخلية على إيران، مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بسبب العقوبات وتراجع صادرات النفط. ففي حال أي محاولة لعرقلة الملاحة في المضيق، ستواجه إيران رداً دولياً حاسماً، قد يشمل تعزيز الوجود العسكري في المنطقة أو فرض عقوبات أشد، مما سيعمق الأزمة الاقتصادية ويزيد من سخط الشارع. على الصعيد السياسي، يجد صناع القرار في طهران أنفسهم أمام خيارات محدودة، فبينما يحتاجون إلى تصدير النفط لتلبية احتياجات البلاد، فإن أي خطوة تصعيدية في هرمز ستكون بمثابة انتحار اقتصادي وسياسي، مما يجعل المضيق نقطة ضعف بدلاً من قوة.
في المقابل، تؤكد واشنطن وحلفاؤها التزامهم بضمان حرية الملاحة في المضيق، معززين وجودهم العسكري في الخليج العربي. تراقب دول المنطقة، خاصة دول الخليج العربي، المشهد بقلق بالغ، نظراً لأهمية المضيق في أمنها الاقتصادي والوطني. وقد دعت أطراف دولية عديدة إلى ضبط النفس وتجنب أي تصعيد قد يزعزع استقرار المنطقة بأسرها ويهدد إمدادات الطاقة العالمية. هذه المواقف الدولية والإقليمية تجعل من أي مغامرة إيرانية في هرمز محفوفة بمخاطر جمة، قد لا تتحمل تداعياتها البلاد في ظل ظروفها الراهنة.
يبدو المشهد الراهن معقداً للغاية، حيث تحول مضيق هرمز إلى معضلة استراتيجية بالنسبة لطهران. فبينما كان يمثل أداة ابتزاز ناجعة في السابق، أصبح الآن عبئاً استراتيجياً يهدد بتعميق الأزمات الداخلية. يبقى مصير الملاحة في المضيق مرهوناً
ما رأيك في هذا الخبر؟