"نصرة الإسلام والمسلمين" تتحول إلى تهديد وجودي في مالي: تحالفات خطيرة وتداعيات إقليمية
تحولت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التشكيل الجهادي الأبرز المرتبط بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل، من مجرد تحالف فضفاض لجماعات مسلحة إلى تهديد وجودي حقيقي يواجه حكومة باماكو في مالي. يأتي هذا التطور المقلق في ظل تصاعد وتيرة الهجمات التي تستهدف القوات الحكومية والمدنيين، وتوسيع الجماعة لنفوذها الجغرافي، لا سيما بعد هجومها الأخير الذي سلط الضوء على قدراتها العملياتية المتنامية، وتحالفها غير المألوف مع بعض الفصائل الانفصالية من الطوارق، مما يعيد تشكيل خريطة الصراع في المنطقة.
تُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تأسست عام 2017، مظلة تضم عدة جماعات جهادية، أبرزها أنصار الدين وكتيبة ماسينا وتنظيم المرابطون وفرع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بالصحراء. وقد استغلت الجماعة ببراعة الفراغ الأمني وغياب سلطة الدولة في مناطق واسعة من مالي، خاصة بعد انتفاضة الطوارق عام 2012، والتدخلات العسكرية الأجنبية المتعاقبة التي لم تنجح في استئصال جذور التطرف. وبدلاً من الاكتفاء بالهجمات الكر والفر، ركزت الجماعة على بناء قاعدة شعبية عبر فرض رؤيتها المتشددة، وتقديم بعض الخدمات الأساسية، مستغلة بذلك ضعف البنى التحتية وفشل الحكومة المركزية في بسط سيادتها الكاملة.
في تطور لافت، كشفت التحالفات الأخيرة للجماعة، خاصة مع بعض انفصاليي الطوارق، عن استراتيجية أكثر تعقيداً وخطورة. فبينما كانت العلاقة بين الحركات الجهادية والانفصالية متقلبة تاريخياً، فإن هذا التزاوج التكتيكي يمنح "نصرة الإسلام والمسلمين" عمقاً محلياً ومعرفة بالمنطقة، بالإضافة إلى إضعاف جبهة الحكومة المالية. هذا التحالف يضعف من قدرة باماكو على مواجهة التهديد الأمني المتصاعد، ويخلق تحديات جديدة أمام جهود مكافحة الإرهاب، خاصة وأن هذه التحالفات قد تمكن الجماعة من السيطرة على طرق التجارة والموارد، مما يعزز من قدرتها على التمويل والتجنيد.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تثير هذه التطورات قلقاً عميقاً. فانسحاب القوات الفرنسية من مالي، وتخفيض مهام بعثة الأمم المتحدة (مينوسما)، ترك فراغاً أمنياً تحاول الحكومة المالية سده عبر الاعتماد على شركاء جدد، بما في ذلك مجموعة "فاغنر" الروسية. غير أن تصاعد نفوذ "نصرة الإسلام والمسلمين" يهدد ليس فقط استقرار مالي، بل يمتد ليشمل دول الجوار مثل بوركينا فاسو والنيجر، اللتين تشهدان أيضاً تصاعداً في النشاط الجهادي. ويأتي ذلك في ظل تزايد المخاوف من أن تتحول منطقة الساحل إلى بؤرة عدم استقرار أكبر، تؤثر على الهجرة والتجارة والأمن في غرب إفريقيا وحتى أوروبا.
في الخلاصة، تواجه مالي حالياً مفترق طرق حاسماً. فصعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتحالفاتها الجديدة يمثل اختباراً قاسياً لقدرة الدولة على الصمود واستعادة سيادتها. وتتطلب مواجهة هذا التحدي المتفاقم استراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل المعالجة الجذرية لأسباب التطرف والفقر وغياب التنمية، بالإضافة إلى تنسيق إقليمي ودولي فعال لمكافحة هذه الظاهرة العابرة للحدود.
ما رأيك في هذا الخبر؟