" الأبعاد الاقتصادية الخفية للصراع مع إيران، كاشفاً عن تكاليف مباشرة وغير مباشرة تثقل كاهل الاقتصاد الأميركي وتداعياتها الكلية.
تتجه الأنظار نحو الكلفة العسكرية المباشرة لأي صراع، غير أن التوترات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران تكشف عن وجهٍ اقتصاديٍّ موازٍ للعمليات العسكرية، حيث تتكبد واشنطن كلفة مزدوجة، مباشرة وغير مباشرة، تتجاوز الإنفاق التقليدي. هذه الفاتورة الباهظة تمتد من نفقات العمليات والعتاد إلى تداعيات أوسع ربما تؤثر بدورها على مفاصل الاقتصاد الكلي الأميركي، في ظل ما يوصف بـ"حرب الظل" التي لا تزال مستعرة في المنطقة.
تأتي هذه التطورات في ظل عقود من التوتر المتصاعد بين القوتين، والذي تحول في السنوات الأخيرة إلى سلسلة من المواجهات غير المباشرة والاشتباكات المحدودة في الخليج العربي ومضيق هرمز، وصولاً إلى البحر الأحمر. فمنذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، تصاعدت حدة التوترات بشكل لافت، ما استدعى تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة. ويشمل ذلك نشر حاملات الطائرات، وبطاريات الدفاع الصاروخي، إضافة إلى الدوريات البحرية والجوية المكثفة التي تهدف إلى حماية المصالح الأميركية وحلفائها وضمان سلامة الملاحة الدولية في ممرات مائية حيوية.
وعلى صعيد التداعيات الاقتصادية، تشمل الكلفة المباشرة الإنفاق الهائل على العمليات العسكرية نفسها، وصيانة الأساطيل البحرية والجوية، وتحديث أنظمة الدفاع، ونفقات استخباراتية ولوجستية ضخمة لدعم القوات المنتشرة في المنطقة. يضاف إلى ذلك، تعويض الخسائر المحتملة في المعدات أو المنشآت. أما الكلفة غير المباشرة، فتتجلى في تأثير هذه التوترات على أسعار النفط العالمية، حيث يؤدي أي تصعيد إلى ارتفاعها، ما ينعكس سلباً على المستهلك الأميركي ويزيد من أعباء الشركات. كما تتأثر حركة الشحن البحري، إذ تزداد أقساط التأمين على السفن العابرة للممرات المائية الخطرة، ما يرفع تكاليف التجارة العالمية وينعكس على أسعار السلع المستوردة.
وفي المقابل، يراقب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لا سيما دول الخليج، هذه الكلفة بقلق، إذ أن استقرار المنطقة حيوي لاقتصاداتهم. فالمخاطر التي تهدد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، وهي ممرات حيوية لنقل النفط والغاز العالمي، يمكن أن تحدث اضطرابات اقتصادية كبرى تتجاوز حدود المنطقة. وبينما تبدي بعض الدول الأوروبية ودول آسيوية مثل الصين واليابان اهتماماً بتهدئة الأوضاع لضمان تدفق الإمدادات النفطية، فإنها غالباً ما تتحفظ على الانخراط العسكري المباشر، تاركة العبء الأكبر على كاهل واشنطن.
يبدو أن الولايات المتحدة عالقة في معادلة معقدة، فبينما تسعى لردع أي تهديد إيراني محتمل والحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط، فإنها تدفع ثمناً اقتصادياً متزايداً لهذه الاستراتيجية. يبقى السؤال حول مدى استدامة هذا الوضع، وما إذا كانت التكلفة الاقتصادية المتفاقمة ستدفع صانعي القرار الأميركيين لإعادة تقييم مسارهم في هذه المواجهة الطويلة.
ما رأيك في هذا الخبر؟