باكستان في عين العاصفة: وساطة شائكة بين واشنطن وطهران
تخوض باكستان، الدولة التي طالما لعبت دوراً محورياً في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، غمار مهمة دبلوماسية بالغة التعقيد، تهدف إلى رأب الصدع وإبرام اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران. وتأتي هذه المساعي، التي يصفها بعض الدبلوماسيين بـ"المهمة المستحيلة"، في خضم ضغوط دولية متزايدة تسعى لضمان استقرار الاقتصاد العالمي الذي يترنح تحت وطأة التوترات الجيوسياسية.
فبينما تتواصل السجالات الحادة بين الجانبين حول هدنة هشة لا تزال مهددة بالانهيار في أي لحظة، تواجه إسلام آباد تحدياً كبيراً يتمثل في توفير بيئة آمنة للمفاوضين وضمان حمايتهم، وهو ما يؤكد مدى عمق الشقاق بين القوتين. ويُعول على هذه الوساطة الباكستانية، التي بدأت ملامحها تتضح في الآونة الأخيرة، في محاولة لتهدئة الأجواء وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات الجادة، بعيداً عن لغة التصعيد والتهديد.
ويعود السياق التاريخي لهذه التوترات إلى عقود من العداء المتبادل، تعمقت بشكل خاص بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران. في المقابل، ردت إيران بخطوات تصعيدية شملت تقليص التزاماتها النووية وزيادة نشاطها الإقليمي، ما أدى إلى تصاعد التوترات في الخليج العربي، وتهديد ممرات الملاحة الدولية الحيوية، وأسواق الطاقة العالمية. وقد باتت هذه الأزمة، بفضل تداعياتها الاقتصادية والأمنية، تهدد استقرار الاقتصاد العالمي برمته، دافعةً قوى دولية للبحث عن حلول دبلوماسية عاجلة.
وفي تطور لافت، تبرز باكستان كلاعب رئيسي في هذه المعادلة، مدفوعةً بمصالحها الخاصة في استقرار المنطقة، وتجنب أي صراع قد تكون له انعكاسات وخيمة على أمنها واقتصادها. غير أن التحدي الأكبر يكمن في إقناع كل من واشنطن وطهران بتقديم تنازلات حقيقية. فبينما تسعى الولايات المتحدة لكبح البرنامج النووي الإيراني ونفوذها الإقليمي، تطالب إيران برفع كامل للعقوبات والاعتراف بحقها في برنامج نووي سلمي، مع ضمانات بعدم تكرار سيناريو الانسحاب الأمريكي من الاتفاقيات.
على الصعيد الإقليمي والدولي، تتباين المواقف بشأن هذه الوساطة. فدول الخليج العربية تتابع بقلق بالغ أي تطورات قد تؤثر على أمنها، معربةً عن مخاوفها من تزايد النفوذ الإيراني. في المقابل، يدعم الاتحاد الأوروبي بقوة أي جهود دبلوماسية تهدف إلى إنقاذ الاتفاق النووي أو إبرام اتفاق جديد يضمن عدم انتشار الأسلحة النووية. أما روسيا والصين، فتنظران إلى الأزمة من منظور مصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية، وتشجعان على الحوار، معتبرتين أن التصعيد لن يخدم مصالح أحد.
وتبقى الآمال معلقة على قدرة الدبلوماسية الباكستانية على إحداث اختراق حقيقي في جدار الأزمة. فالمسار لا يزال شائكاً، ومحفوفاً بالمخاطر، ويعتمد نجاحه بشكل كبير على الإرادة السياسية الحقيقية من جانب واشنطن وطهران. إنها مهمة مصيرية، يترقب العالم نتائجها، لما لها من رهان كبير على مستقبل الاستقرار العالمي والاقتصادي.
ما رأيك في هذا الخبر؟