زلزال كولومبيا.. أم ورضيع يخرجان من قلب الركام وسباق مع الموت لا يتوقف
كتبت-آية غنيم
ثوانٍ قليلة قلبت حياة مدينة كاملة
بدأت الأرض تهتز بعنف، الجدران تحركت، الأشياء سقطت من أماكنها، وتحولت لحظات عادية داخل المنازل إلى ثوانٍ من الرعب، ولم يكن لدى سكان غرب كولومبيا وقت ليستوعبوا ما يحدث.
خرج من استطاع الخروج إلى الشوارع، بينما بقي آخرون في أماكنهم تحت الأنقاض، لا يملكون سوى الصراخ وانتار أن تصل إليهم يد تمتد من بين الركام.
وفي الخارج، لم يكن المشهد أقل قسوة، عائلات تبحث عن أبنائها، أشخاص يحاولون الاتصال بذويهم دون جدوى، وفرق إنقاذ تعرف أن كل دقيقة تمر قد تعني حياة جديدة تُفقد.

7.4 درجة هزت غرب كولومبيا
الهزة التي ضربت البلاد بلغت قوتها 7.4 درجة، وفق بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وكان مركزها قرب سان خوسيه ديل بالمار في إقليم تشوكو، على عمق يقارب 107 كيلومترات، لكن الرقم وحده لا يحكي القصة كاملة.
فما حدث على الأرض كان أكبر من مجرد رقم على مقياس الزلازل؛ مبانٍ تضررت، أخرى انهارت، وطرق ووسائل اتصال خرجت من الخدمة، لتجد فرق الإنقاذ نفسها أمام مناطق يصعب الوصول إليها.

تحت الركام.. بدأت الحكاية الأصعب
بينما كانت فرق الطوارئ تتحرك بين المباني المتضررة، لم يكن أحد يعرف على وجه الدقة كم شخصًا ما زال عالقًا تحت الأنقاض.
كل صوت كان يستحق التوقف عنده، وكل حركة تحت الركام كانت تعني احتمال وجود إنسان ما زال يقاوم.
الجنود والمتطوعون وفرق الإنقاذ استخدموا المعدات المتاحة، إلى جانب كلاب مدربة على تحديد أماكن العالقين، وبدأت عملية بحث طويلة وسط مبانٍ غير مستقرة وحطام يمكن أن ينهار في أي لحظة.
أم ورضيع.. لحظة أعادت الأمل
وسط هذا المشهد، جاءت واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية تأثيرًا، تمكنت فرق الإنقاذ من الوصول إلى أم وطفل رضيع وإخراجهما على قيد الحياة من تحت الركام.
لم تكن لحظة إنقاذ عادية، فخروج طفل حي من بين أنقاض مبنى منهار بعد ساعات من الكارثة أعاد إلى العائلات التي تنتظر في الخارج شيئًا من الأمل.
ربما كان هناك ناجون آخرون ما زالوا ينتظرون اليد نفسها التي وصلت إلى الأم وطفلها.

أرقام القتلى لا تحكي كل شيء
مع استمرار عمليات البحث، بدأت حصيلة الضحايا في الارتفاع، بينما ظل الرقم عرضة للتغيير بسبب صعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بمقتل 111 شخصًا على الأقل، إلى جانب مئات المصابين، بينما تضرر نحو 1600 مبنى، انهار 61 منها بالكامل وفق البيانات الأولية.
لكن خلف كل رقم قصة، رقم القتلى يعني أسرة فقدت شخصًا، ورقم المفقودين يعني هاتفًا لا يزال يرن دون إجابة، ورقم المباني المنهارة يعني عشرات الأسر التي قد تجد نفسها بلا منزل بعد انتهاء الكارثة.
عائلات تبحث عن إجابة واحدة
في المناطق الأكثر تضررًا، لم يكن الجميع يبحث عن منزل أو سيارة أو ممتلكات، كان هناك من يبحث عن شخص.
أب يريد أن يعرف أين ابنه، أم تنتظر عودة ابنتها، وعائلة تحاول الوصول إلى قريب انقطع الاتصال به منذ لحظة الزلزال.
ومع تضرر شبكات الاتصالات في بعض المناطق، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسيلة للبحث عن المفقودين، حيث بدأ الأهالي في نشر الأسماء والصور ومعلومات عن آخر أماكن شوهد فيها ذووهم.

لماذا كانت كولومبيا معرضة لهذا الزلزال؟
الزلزال لم يأتِ من فراغ، فكولومبيا تقع في منطقة نشطة زلزاليًا، حيث تتحرك الصفائح التكتونية باستمرار تحت سطح الأرض.
وعندما تتراكم الضغوط على امتداد الصدوع، تصل الصخور إلى نقطة لا تستطيع معها تحمل الضغط، فتتحرر الطاقة فجأة في صورة موجات زلزالية تهز الأرض، وهنا تبدأ الخسائر في الظهور، لكن حجمها لا يعتمد على قوة الزلزال وحدها.

الزلزال لا يقتل وحده.. المباني قد تفعل
هناك فرق كبير بين أن تهتز الأرض وبين أن تنهار المباني فوق الناس، فنوع التربة، وعمق الزلزال، وقرب المناطق السكنية من مركز الهزة، والأهم من ذلك قدرة المباني على مقاومة الزلازل، كلها عوامل تحدد حجم الكارثة.
ولهذا يمكن أن يمر زلزال قوي بأضرار محدودة في منطقة، بينما يتحول زلزال آخر إلى مأساة في منطقة مختلفة.
وبعد الزلزال.. الخطر لم ينتهِ
حتى عندما تهدأ الأرض، لا يعني ذلك أن الخطر قد انتهى، فالهزات الارتدادية يمكن أن تحدث بعد الزلزال الرئيسي، وقد تكون قوية بما يكفي لإسقاط أجزاء من مبانٍ تعرضت بالفعل للضرر.
ولهذا تحذر الجهات المختصة من العودة إلى المباني المتضررة قبل التأكد من سلامتها، ومن الاقتراب من أماكن الانهيارات دون توجيهات فرق الطوارئ.

أول قرار قد ينقذ حياتك
وهنا السؤال الذي يهم أي شخص يشاهد صور كولومبيا الآن:ماذا ستفعل لو بدأت الأرض تهتز وأنت داخل بيتك؟ الإجابة ليست أن تركض إلى الباب.
التعليمات الأساسية التي توصي بها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية هي: انزل، احتمِ، وتمسك.
انزل على يديك وركبتيك حتى لا تسقط، احتمِ أسفل طاولة أو مكتب متين إذا كان قريبًا، واحمِ رأسك ورقبتك، ثم تمسك بالشيء الذي يحميك حتى تتوقف الهزة.
ولو لم تجد مكانًا مناسبًا للاختباء، ابتعد عن النوافذ والزجاج والخزائن والأشياء الثقيلة التي يمكن أن تسقط.
لا تجعل الخوف يدفعك إلى الخطأ
في لحظة الزلزال، غريزة الإنسان تدفعه إلى الهروب فورًا، لكن الجري أثناء الاهتزاز قد يعرضك للسقوط أو الحطام أو الزجاج المتطاير.
لا تستخدم المصعد، ولا تقف بجوار النوافذ، ولا تحاول الخروج أثناء استمرار الهزة إلا إذا كنت في مكان يفرض عليك ذلك، ولو كنت في الشارع، ابتعد عن المباني والأعمدة والأسلاك الكهربائية واتجه إلى مساحة مفتوحة.
أما إذا كنت داخل سيارة، فتوقف في مكان آمن بعيدًا عن المباني والجسور وأعمدة الكهرباء، وابْق داخل السيارة حتى تنتهي الهزة.

وبين الركام.. يبقى الأمل
في كولومبيا، لا تزال فرق الإنقاذ تبحث بين الأنقاض، ولا تزال عائلات تنتظر خبرًا عن أشخاص لم يعودوا إلى منازلهم، لكن وسط مشاهد الدمار، خرجت أم تحمل طفلها من بين الركام، وكأن المشهد يقول إن الزلزال قد يهدم جدرانًا في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع وحده أن يهدم الأمل.
وفي النهاية، لا أحد يستطيع أن يمنع وقوع الزلزال، لكن معرفة ما يجب فعله في الثواني الأولى قد تكون هي الفارق بين أن تتحول إلى رقم في حصيلة الضحايا.. أو أن تخرج من الكارثة حيًا.
ما رأيك في هذا الخبر؟