حين هزمت القوة الناعمة خوارزميات الكراهية
هناك لحظات تتجاوز فيها كرة القدم حدود المستطيل الأخضر، فلا تعود مباراة بين أحد عشر لاعبًا وآخرين، وإنما تتحول إلى اختبار حقيقي لما تبقى في وجدان الشعوب من مشاعر مشتركة.
ليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف، فبعضها يُقاس بعدد القلوب التي اجتمعت، وبمقدار الأمل الذي عاد إلى النفوس، وبقدرة لحظة عابرة على ترميم ما أفسدته سنوات من الخلافات والضجيج.
وما حدث بعد فوز المنتخب المصري على أستراليا لم يكن مجرد انتصار رياضي، بل كان درسًا بليغًا في أن القوة الناعمة لا تزال أقوى من كل ما صنعته الخلافات السياسية، وأن الشعوب – مهما باعدت بينها الحدود – ما زالت تمتلك قدرة فطرية على الاجتماع حين تجد رمزًا صادقًا تلتف حوله.
لسنوات طويلة، أوهمتنا منصات التواصل الاجتماعي أن العالم العربي يعيش حالة انقسام دائم، وأن كل قضية تتحول إلى معركة، وكل رأي إلى خصومة، وكل حدث إلى ساحة للتراشق. حتى بدا وكأن الخلاف هو القاعدة، والاتفاق هو الاستثناء.
لكن مباراة واحدة كانت كافية لتكشف أن السوشيال ميديا ليست مرآة كاملة للواقع، بل كثيرًا ما تكون غرفة لتضخيم الأصوات المرتفعة، بينما تظل الأغلبية الصامتة محتفظة بقدر كبير من المحبة والود والانتماء.
وفجأة، خرجت الجماهير العربية من خلف الشاشات لتعلن انتماءها لشيء أكبر من الحسابات الضيقة. لم يكن التشجيع لمصر وحدها، بل كان احتفاءً بصورة عربية تبحث عن النجاح، وكأن المصري حين سجل هدفًا، شعر كثير من العرب أنهم هم أيضًا سجلوا هدفًا في مرمى الإحباط.
إن كرة القدم تمتلك ما لا تمتلكه السياسة أحيانًا؛ فهي لا تحتاج إلى مؤتمرات ولا إلى اتفاقيات، وإنما تحتاج إلى لحظة صدق. ولذلك رأى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الرياضة تصنع مجالًا لإنتاج المعنى الجماعي، بينما تحدث بنديكت أندرسون عن "الجماعة المتخيلة"، حيث يشعر ملايين البشر بأنهم ينتمون إلى كيان واحد رغم أنهم لا يعرفون بعضهم بعضًا. وفي كرة القدم يتحول هذا الخيال إلى حقيقة؛ ملايين القلوب تنبض في التوقيت نفسه، وتهتف للهتاف نفسه، وتفرح للعلم نفسه.
وكان أكثر ما لفت الانتباه أن علم فلسطين لم يغب عن المشهد. لم يكن مجرد راية ترفرف في المدرجات، بل كان رسالة تقول إن القضايا الكبرى لا تزال حاضرة في الضمير العربي، وأن الهوية لا تمحوها الخلافات، وأن الشعوب لا تنسى بوصلتها مهما تغيرت الظروف.
كان العلم حاضرًا ليؤكد أن الفرح لا يعني النسيان، وأن الرياضة تستطيع أن تجمع بين البهجة والوفاء في لحظة واحدة.
أما المصريون، فقد قدموا درسًا آخر لا يقل أهمية. فمن يعرف أحوال الناس يدرك حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن، لكن المدهش أن ضيق اليد لم يتحول إلى ضيق في القلب. خرج الناس يحتفلون، وغنوا، وبكوا، ورفعوا الأعلام، لأن الوطن بالنسبة للمصري ليس بندًا في ميزانية، وإنما جزء من تكوينه النفسي. قد يختلف مع مسؤول، وقد ينتقد حكومة، وقد يشكو من الغلاء، لكنه حين يظهر اسم مصر، تتراجع كل الخلافات أمام شعور أعمق اسمه الانتماء.
وهنا تجلت صورة أخرى لا تقل تأثيرًا عن أهداف المباراة؛ دموع القائد محمد صلاح. لم تكن دموع لاعب بعد مباراة، بل كانت لغة لا تحتاج إلى ترجمة. كانت لحظة إنسانية أسقطت كل الحواجز بينه وبين قطاع من الجمهور الذي انقلب عليه في فترات سابقة، وتخلى بعض جمهوره عنه ورأوا أنه صار مستغرب ومنحاز للغرب وفكره فأعادت الدموع العلاقة إلى أصلها الطبيعي؛ علاقة شعب ببطل حمل آماله سنوات طويلة. فالدموع الصادقة كثيرًا ما تنجح فيما تعجز عنه آلاف الكلمات، لأنها تُخرج الإنسان من صورة النجم إلى حقيقة الإنسان.
ولعل أجمل ما في هذا المنتخب أنه لم يعد منتخب الفرد، بل أصبح منتخب الجماعة. لم يعد الانتصار يُنسب إلى مهارة لاعب بعينه، وإنما إلى منظومة كاملة؛ لاعب يضحي، وآخر يغطي، وثالث يصنع، ورابع يسجل، وجهاز فني يزرع الثقة، وروح جماعية جعلت الجميع يدرك أن البطولة لا يصنعها النجم وحده، وإنما تصنعها المجموعة التي تعرف أن النجاح فعلٌ تشاركي قبل أن يكون إنجازًا فرديًا.
ومن اللافت أيضًا أن الذاكرة الكروية المصرية تكاد تجمع على أن أبرز الإنجازات التاريخية للمنتخب الوطني ارتبطت بقيادة مدربين وطنيين، ممن عرفوا الشخصية المصرية، وأدركوا كيف يحولون الضغوط إلى دوافع، وكيف يجعلون من اللاعب مشروع مقاتل لا مجرد محترف. وليس المقصود التقليل من قيمة المدرب الأجنبي، وإنما التأكيد على أن بعض اللحظات التاريخية تحتاج إلى من يتحدث بلغة الوطن قبل أن يتحدث بلغة الخطط.
وهذه هي المفارقة التي كثيرًا ما تعجز التحليلات السياسية عن فهمها؛ فالوطن لا يُقاس بما يمنحه لمواطنيه فقط، بل أيضًا بما يسكن في وجدانهم من تاريخ وذكريات وهوية. ولذلك لا يمكن تفسير مشهد الاحتفال بمعايير الاقتصاد وحدها، لأن الإنسان لا يعيش بالخبز فقط، بل يعيش أيضًا بالمعنى، والانتماء أحد أعظم المعاني التي تمنح الحياة قيمتها.
لقد أثبتت هذه المباراة أن القوة الناعمة ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما هي أحد أهم أسلحة الأمم. فالفنان قد يوحد الوجدان، والكاتب قد يوحد الفكر، والرياضي قد يوحد المشاعر. وحين تجتمع هذه القوى، يصبح الوطن حاضرًا في القلوب قبل أن يكون حاضرًا على الخرائط.
ربما تنتهي البطولة، وتُنسى الأهداف، وتتغير النتائج، لكن ما سيبقى هو تلك الصورة التي اجتمع فيها ملايين العرب على الدعاء لمصر، وفرحوا بانتصارها، ورفعوا معها علم فلسطين، وبكوا مع دموع محمد صلاح، وصفقوا لروح الفريق، وأثبتوا أن ما يجمع هذه الأمة أكبر بكثير مما تروجه منصات التواصل من انقسامات.
لقد انتصرت مصر في مباراة، لكن الأهم أن الأمة – ولو لساعات – انتصرت على الفرقة، وانتصر الإنسان العربي على الخلاف، وانتصرت القوة الناعمة على الضجيج الإلكتروني.
وسيكتشف المؤرخون يومًا أن بعض المباريات لا تُسجل في أرشيف الرياضة فقط، بل في سجل التاريخ الاجتماعي للأمم؛ لأنها تذكر الشعوب بما كانت تعرفه دائمًا ثم كادت تنساه: أن القلب العربي، مهما أثقلته السياسة، لا يزال قادرًا على أن يخفق نبضة واحدة عندما يجد ما يستحق الحب.
وهذا هو الدرس الأعمق؛ ليست المشكلة أن وسائل التواصل تكذب دائمًا، وإنما أنها تجعلنا أحيانًا نصدق أن الضجيج هو صوت الأغلبية. بينما الحقيقة أن الشعوب، حين تجد رمزًا صادقًا، أو انتصارًا نزيهًا، أو علمًا تلتف حوله، تكتشف أن ما يجمعها ليس اللغة وحدها، ولا الجغرافيا وحدها، بل ذاكرة مشتركة، وأمل مشترك، ومستقبل لا يزال ينتظر من يؤمن بأن الأمة لا تموت ما دام في قلوب أبنائها متسع للحب.