ظريف يدعو لـ"سلام شامل" مع واشنطن: هل يمهد الطريق لمرحلة جديدة؟
في تطور لافت قد يثير نقاشات واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، دعا وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، يوم الجمعة، إلى إبرام "اتفاق سلام شامل" مع الولايات المتحدة. جاءت دعوة ظريف، الذي اشتهر بدوره المحوري في المفاوضات النووية، لتسلط الضوء مجدداً على طبيعة العلاقات المعقدة والمتوترة بين طهران وواشنطن، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول إمكانية تجاوز عقود من العداء والوصول إلى تفاهمات أوسع من مجرد الملف النووي. ويُعد هذا التصريح، الصادر عن أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الإيرانية، مؤشراً محتملاً على وجود رغبة لدى بعض الأطراف في إيران لاستكشاف مسارات جديدة للتعامل مع الإدارة الأمريكية.
تأتي دعوة ظريف هذه في سياق سياسي معقد، حيث شهدت العلاقات الإيرانية الأمريكية تقلبات حادة خلال العقد الماضي. فبعد التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي كان ظريف مهندسه الرئيسي من الجانب الإيراني، عادت التوترات لتتصاعد بشكل دراماتيكي إثر انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أحادياً من الاتفاق عام 2018، وفرضها سياسة "الضغط الأقصى" على طهران. أدت هذه السياسة إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية في إيران وتصاعد المواجهات الإقليمية، وصولاً إلى طريق مسدود في المحادثات الهادفة لإحياء الاتفاق النووي في عهد إدارة بايدن، التي ورثت تركة من الشكوك المتبادلة وغياب الثقة.
قد تحمل دعوة ظريف تداعيات محتملة على المشهد السياسي الإيراني الداخلي، حيث يُنظر إليه غالباً كرمز للتيار الإصلاحي والمعتدل الذي يؤمن بالدبلوماسية والحوار مع الغرب. غير أن هذه الدعوة قد تصطدم بمعارضة شديدة من التيار المحافظ والمتشدد في إيران، الذي لطالما شكك في نوايا الولايات المتحدة ورفض أي تقارب واسع النطاق يمس السيادة الإيرانية أو مصالحها الإقليمية. وفي المقابل، قد تختبر هذه الدعوة جدية الإدارة الأمريكية الحالية في البحث عن حلول أوسع نطاقاً للتوترات مع طهران، بعيداً عن التركيز الحصري على الملف النووي، خاصة وأن "السلام الشامل" قد يعني معالجة قضايا مثل البرنامج الصاروخي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، وهي قضايا حساسة للغاية لكلا الطرفين.
على الصعيد الإقليمي والدولي، من المرجح أن تثير دعوة ظريف ردود فعل متباينة. فبينما قد ترحب القوى الأوروبية وروسيا والصين بأي مبادرة تهدف إلى تخفيف التوترات في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين، مثل إسرائيل وبعض دول الخليج، قد ينظرون إلى أي اتفاق سلام شامل مع إيران بقدر كبير من التوجس. فهذه الدول لديها مخاوف عميقة بشأن سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي، وستحرص على ألا يأتي أي تقارب أمريكي-إيراني على حساب أمنها ومصالحها. ولذلك، فإن أي خطوة نحو "سلام شامل" سيتطلب تنسيقاً معقداً وجهوداً دبلوماسية مكثفة لطمأنة جميع الأطراف المعنية.
في الختام، تبقى دعوة محمد جواد ظريف لإبرام "اتفاق سلام شامل" مع الولايات المتحدة بمثابة بالون اختبار في بحر العلاقات الإيرانية الأمريكية المضطرب. ورغم أن الطريق إلى مثل هذا الاتفاق محفوف بالتحديات والعقبات الجمة، إلا أنها تظل دعوة تحمل في طياتها إمكانية إعادة تشكيل مسار العلاقات الإقليمية والدولية إذا ما وجدت آذاناً صاغية وإرادة سياسية حقيقية لدى جميع الأطراف.
ما رأيك في هذا الخبر؟