مصدق: مهندس تأميم النفط الإيراني.. هل أسدل انقلاب المخابرات الستار على حلم السيادة؟
في الثامن والعشرين من أبريل عام 1951، شهدت إيران فصلاً جديداً في تاريخها السياسي، مع تولي الدكتور محمد مصدق رئاسة الحكومة في طهران. لم يكن هذا التعيين مجرد تبديل في المناصب، بل كان إيذاناً بانطلاق إحدى أكثر الفترات جرأة في مسيرة البلاد، تمثلت في تحدٍ مباشر للهيمنة الأجنبية على مقدرات إيران النفطية. وصل مصدق إلى سدة الحكم حاملاً على عاتقه آمال شعب بأكمله في استعادة سيادته الكاملة على ثرواته الطبيعية، ليدشن بذلك ملحمة وطنية انتهت فصولها بتدخلات خارجية مثيرة للجدل.
جاء صعود مصدق على خلفية استياء شعبي متنامٍ من النفوذ البريطاني الطاغي، والذي تجسد في سيطرة "الشركة الأنجلو-إيرانية للنفط" (AIOC) على استخراج وتصدير النفط الإيراني. كانت هذه الشركة، التي تأسست في بدايات القرن العشرين، تستحوذ على حصة الأسد من الأرباح، بينما كانت إيران، الدولة صاحبة الثروة، تحصل على جزء ضئيل لا يتناسب مع حجم النفط المستخرج. هذا الوضع المهين، إلى جانب الشعور بالإمبريالية المتزايدة، غذى تياراً وطنياً قوياً، وجد في مصدق، بخطاباته النارية ومواقفه المبدئية، قائداً يمكنه تحقيق تطلعاته.
مع تسلم مصدق لزمام الأمور، سارع إلى تنفيذ وعده الانتخابي بتأميم صناعة النفط بالكامل، وهو ما اعتبره خطوة حاسمة نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسياسي. في تطور لافت، ردت بريطانيا على هذا القرار بإجراءات عقابية صارمة، شملت فرض حصار اقتصادي خانق على إيران ومقاطعة النفط الإيراني في الأسواق العالمية، إضافة إلى تجميد الأصول الإيرانية. غير أن مصدق أصر على موقفه، رافضاً أي مساومة على السيادة الوطنية، مما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في المواجهة بين طهران ولندن، دفع بالأخيرة للجوء إلى المحافل الدولية، لكن دون جدوى تذكر.
وفي المقابل، لم تكن الولايات المتحدة بمعزل عن هذا الصراع. فبينما كانت تخشى من انهيار الاقتصاد الإيراني واحتمال تحول البلاد نحو المعسكر الشيوعي في خضم الحرب الباردة، غيرت واشنطن موقفها تدريجياً من محاولة التوسط إلى دعم الإطاحة بمصدق. في أغسطس 1953، أطلقت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والمخابرات البريطانية (MI6) عملية "أجاكس" السرية، والتي أدت إلى انقلاب عسكري أطاح بحكومة مصدق الديمقراطية. تم اعتقال مصدق وسجنه، وعادت السلطة المطلقة إلى الشاه محمد رضا بهلوي، الذي فر من البلاد لفترة وجيزة، ليصبح تابعاً أكثر للولايات المتحدة والمملكة المتحدة.
لقد شكلت قصة محمد مصدق وتأميم النفط الإيراني نقطة تحول مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط والعلاقات الدولية. تركت هذه الأحداث إرثاً عميقاً من عدم الثقة في التدخلات الأجنبية، وأصبحت رمزاً للمقاومة ضد الهيمنة الاستعمارية. ورغم مرور عقود على تلك اللحظات التاريخية، لا تزال تداعياتها تلقي بظلالها على المشهد السياسي الإيراني والإقليمي، وتذكر بأهمية السيادة الوطنية وحق الشعوب في التحكم بمواردها الطبيعية، في عالم تتشابك فيه المصالح الكبرى بشكل معقد.
ما رأيك في هذا الخبر؟