الخبر لايف
الثلاثاء 26 مايو
مقالات 4 4 دقيقة visibility 30

د. محمد فاروق يكتب: الجيش العربي المشترك بين ضرورات التاريخ وتحديات الواقع

schedule
د. محمد فاروق يكتب: الجيش العربي المشترك بين ضرورات التاريخ وتحديات الواقع
اليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من تفكيك لجيوش عربية تاريخية، خاصة في العراق وسوريا وليبيا واليمن، لم يعد الحديث عن جيش عربي مشترك رفاهية سياسية أو خطابًا إعلاميًا، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية وجودية.

IMG-20260508-WA0028

د.محمد فاروق

منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، لم يتوقف الحديث عن حلم «الجيش العربي المشترك». لم يكن الأمر يومًا مجرد شعار عاطفي أو نزعة قومية حالمة، بل فكرة وُلدت من رحم الخطر، وتغذت على دروس التاريخ، وأثبتت العقود المتتالية أن الأمة العربية كلما تجاهلت هذا الحلم دفعت ثمنًا باهظًا من أمنها واستقرارها وثرواتها.

فالمنطقة العربية، الممتدة من الخليج إلى المحيط، تمتلك ما يجعلها في مقدمة القوى العالمية لو أحسنت استثمار عناصر قوتها؛ فهي تملك أكبر احتياطات الطاقة في العالم، وتتحكم في أهم الممرات البحرية والتجارية، وتقع في قلب الجغرافيا الدولية، فضلًا عن امتلاكها كتلة بشرية ضخمة وإمكانات مالية هائلة.

لكن التاريخ الحديث كشف حقيقة قاسية: الثروة وحدها لا تحمي الأوطان، والاقتصاد بلا قوة رادعة يظل مشروعًا هشًا قابلًا للاهتزاز في أي لحظة.

لقد أثبتت التجارب أن غياب التنسيق العسكري العربي كان أحد أبرز أسباب الانكسارات والتدخلات الأجنبية التي عصفت بالمنطقة. فمنذ نكبة فلسطين عام 1948، مرورًا بنكسة 1967، ثم الغزو العراقي للكويت، وصولًا إلى انهيار جيوش عربية كبرى في العقد الأخير، بدا واضحًا أن التشرذم العسكري العربي فتح الأبواب أمام القوى الإقليمية والدولية لتتحكم في مصير المنطقة.

ولعل التجربة التاريخية الأبرز التي تؤكد أهمية العمل العسكري العربي المشترك كانت خلال حرب أكتوبر 1973، حين لم تكن المعركة مصرية سورية فقط، بل شهدت دعمًا عربيًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا واسعًا، بدءًا من استخدام سلاح النفط الخليجي، وصولًا إلى المساندة اللوجستية والمالية التي غيرت موازين القوى الدولية، وأثبتت أن العرب عندما يتحركون كجسد واحد يصبح لهم تأثير عالمي حقيقي.

اليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من تفكيك لجيوش عربية تاريخية، خاصة في العراق وسوريا وليبيا واليمن، لم يعد الحديث عن جيش عربي مشترك رفاهية سياسية أو خطابًا إعلاميًا، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية وجودية.

فالمنطقة تواجه تحديات غير مسبوقة:

الإرهاب العابر للحدود، الصراعات الإقليمية، التدخلات الأجنبية، الحروب السيبرانية، تهديدات أمن الطاقة، ومحاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:

ماذا لو تبنت الجامعة العربية مشروعًا حقيقيًا لبناء منظومة دفاع عربية متكاملة، تقوم على توحيد العقيدة العسكرية والتدريب والتسليح والتنسيق الاستخباراتي؟

إن الحديث هنا لا يعني إلغاء الجيوش الوطنية أو المساس بسيادة الدول، بل إنشاء نموذج تكاملي يشبه إلى حد كبير فلسفة حلف شمال الأطلسي، حيث تحتفظ كل دولة بجيشها الوطني، لكنها تعمل ضمن منظومة دفاع موحدة تقوم على التنسيق الكامل والتخطيط المشترك والقدرة على التحرك الجماعي وقت الأزمات.

وفي هذا الإطار، تبدو القوات المسلحة المصرية مؤهلة للعب دور محوري في أي مشروع عربي دفاعي مستقبلي، ليس فقط باعتبارها أحد أقوى الجيوش العربية وأكثرها خبرة، بل لأنها تمتلك إرثًا عسكريًا ممتدًا عبر آلاف السنين، إضافة إلى خبرات قتالية متراكمة ومؤسسات تدريبية وصناعات عسكرية متطورة شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

فمصر تمتلك قاعدة بشرية هائلة، وخبرات عسكرية متنوعة، وموقعًا استراتيجيًا يربط بين آسيا وإفريقيا والبحر المتوسط، كما أن الجيش المصري خاض حروبًا نظامية وغير نظامية واكتسب خبرة واسعة في مجالات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود والتسليح المتنوع.

ولو جرى توظيف هذه الخبرات ضمن مشروع عربي شامل، مدعوم بإمكانات التمويل الخليجية، والموارد البشرية العربية، والرغبة السياسية الحقيقية، فقد يشهد العالم ولادة قوة إقليمية غير مسبوقة؛ قوة لا تستهدف العدوان أو الهيمنة، بل حماية الأمن القومي العربي وصيانة مقدرات الشعوب العربية.

كما أن التكامل العسكري يمكن أن يفتح الباب أمام نهضة صناعية عربية كبرى في مجال التصنيع العسكري، بما يحقق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا ويقلل الاعتماد على الخارج، خاصة أن العالم أثبت مرارًا أن الدول التي لا تمتلك قرار تسليحها المستقل تظل رهينة للضغوط السياسية.

لكن، ورغم جاذبية الحلم، تبقى هناك تحديات واقعية لا يمكن تجاهلها؛ فالتباينات السياسية بين بعض الدول العربية، واختلاف العقائد العسكرية، وتضارب المصالح الإقليمية، وارتباط بعض الدول بتحالفات دولية متعارضة، كلها عقبات تجعل تحقيق هذا المشروع أمرًا بالغ التعقيد.

إضافة إلى ذلك، فإن أي مشروع عربي مشترك يحتاج أولًا إلى بناء الثقة السياسية، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي باعتباره أمنًا جماعيًا لا يتجزأ، فتهديد أي دولة عربية يجب أن يُنظر إليه باعتباره تهديدًا للجميع.

وربما يكون الطريق الواقعي نحو هذا الحلم هو البدء بخطوات تدريجية:

توحيد برامج التدريب، إنشاء مراكز استخبارات مشتركة، توسيع التصنيع العسكري العربي، تنفيذ مناورات دورية موحدة، وتشكيل قوات تدخل سريع عربية قادرة على مواجهة الأزمات الطارئة.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تتوحد حول مصالحها الكبرى تفرض احترامها على العالم، بينما تظل الأمم المتفرقة ساحة مفتوحة للصراعات والتدخلات.

ومن هنا يبقى السؤال معلقًا فوق حاضر الأمة ومستقبلها:

هل يدرك العرب أن قوتهم الحقيقية ليست فقط في النفط أو المال أو الموقع الجغرافي، بل في وحدتهم وتكامل مصالحهم؟

وهل يأتي يوم يتحول فيه حلم الجيش العربي المشترك من مجرد أمنية تتكرر في الخطب إلى مشروع استراتيجي يصنع مستقبل المنطقة؟

ربما يبدو الحلم بعيدًا اليوم، لكن التاريخ يعلمنا أن الأفكار الكبرى تبدأ دائمًا بسؤال صغير: ماذا لو ؟

ما رأيك في هذا الخبر؟

forum

التعليقات

recommendمقالات ذات صلة

swipe