لم يتبقَّ سوى ساعات محدودة ويهل علينا أعظم الشهور وأجلّها وأحبّها إلى القلوب والنفوس، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار. والسؤال الأهم الذي يتم طرحه كل عام مع بداية أيام هذا الشهر الكريم من قبل الأجيال القديمة، وخاصة أجيال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات راحت فين حلاوة وطعم رمضانرمضان بتاع زمان ؟
وحين يستجمع من يطرح هذا السؤال شريط الذكريات عن طقوس وعادات وتقاليد أيام وليالي رمضان زمان مقارنة بما نعيشه الآن، سيجد أن الفارق أصبح شاسعاً ومؤلماً للنفس والروح معاً، وسيشعر أن هناك ما سُرق منه دون أن يدري، ألا وهو طعم وحلاوة تلك الأيام.
ورغم أن تلك الأيام كانت الدخول فيها بسيطة، والإمكانيات المادية أقل بكثير من الآن، لكنها كانت غنية جداً بما فقدناه اليوم، ألا وهو الروح الطيبة والمحبة الصادقة وصفاء النفوس التي كانت تملأ الشوارع والحارات والمدن والمناطق الشعبية وفي كل ربوع مصر. فالشوارع لم تكن بهذا الوهج والصخب، ولم تكن مضاءة بآلاف المصابيح وبها الزينات المُصنَّعة، لكنها كانت مضيئة بقلوب من يسكنونها ويتجولون فيها.
شوارع يعلّق فيها الأطفال الزينة اليدوية من الأوراق الملونة وجلاد كراريس المدارس الذي كان يتم تجميعه بعد انتهاء الدراسة لحين قدوم رمضان، ويُصنع بالخيوط والعجين ليكون مصدراً للبهجة وبدون أي تكاليف.
نعم، رمضان زمان لم تكن فيه الموائد عامرة بعشرات الأصناف والأشكال من الطعام، لكنها كانت عامرة بالرضا والقناعة. ولم يكن هناك سباق استهلاكي يُلهب الجيوب التي تعاني أساساً طوال العام لتوفير إحتياجات و أساسيات الحياة، بل كان هناك اكتفاء ذاتي في معظم البيوت، حيث تُربّى الطيور ويُخبز العيش وتُصنع معظم احتياجات رمضان.
في رمضان زمان كانت الزيارات دائمة، والبيوت عامرة، والجيران يتشاركون الطعام دون دعوات رسمية. وفي رمضان زمان كان مدفع الإفطار يفرض لحظة صمت مقدسة على المكان، فلم تكن هناك تطبيقات يُعرف منها موعد الأذان كما هو الحال الآن.
وعند انقطاع الكهرباء، وخاصة عندما كان يأتي رمضان في فصل الشتاء، كان الأطفال يصعدون إلى أسطح البيوت ليستمعوا لصوت المؤذن الصاعد فوق مئذنة المسجد، ويبلغوا أسرهم بفرحة أن وقت الإفطار قد حان.
فمن منا لا يتذكر في رمضان زمان التجمع بعد العصر أمام صانع الكنافة والقطايف اليدوي، ومن يبيع العصير، ومن يبيع الثلج في صيف رمضان، حيث لم يكن يمتلك ثلاجات كهربائية سوى عدد محدود جدًا من أهل القرى والمناطق الشعبية؟
ومن منا لا يتذكر حديث الشيخ الشعراوي قبل الإفطار الذي كان يوحي لنا باقتراب موعد الأذان؟ وسيظل الحنين لأصوات ميكروفونات المساجد التي كانت تعلو بالابتهالات وآيات القرآن. فصوت نصر الدين طوبار، والشيخ الطبلاوي، والشيخ محمد رفعت سيظل يدوي في الآذان، وما إن تسمع أصواتهم حتى تتذكر على الفور شهر رمضان.
من ينسى الدراما الإذاعية والمسلسلات فى الراديو بعد انتهاء الأذان؟ ومن ينسى فوازير نيللي و شريهان والتي صنعت وجداناً وكانت علامة من علامات رمضان؟ من ينسى ضحكات الأطفال مع عالم بوجي وطمطم، وبقلظ وماما نجوى، ومن بعدهم بكار؟
من ينسى تجمع جميع أفراد الأسرة أمام الدراما الواقعية التي تعكس واقع المجتمع، والتي تمثل علامات بارزة في تاريخ الفن المصري وما زالت تُشاهد حتى الآن، مثل ملحمة ليالي الحلمية بأجزائها، والشهد والدموع، ورأفت الهجان، ورحلة أبو العلا البشري، والمال والبنون، ولن أعيش في جلباب أبي؟
من ينسى سهرات السمر والمسابقات الثقافية والترفيهية بين فرق الشباب المتنافسة في مراكز الشباب؟ من ينسى فرحة الأطفال وهم يجوبون الشوارع والحارات بعد أذان المغرب بفوانيسهم الزجاج أم شمعة ويغنون: "وحوي يا وحوي إياحة.. روحت يا شعبان جيت يا رمضان" ، ويطرقون أبواب المنازل للحصول على "العادة" فمنهم من يعطيهم النقود واخر يعطيهم فاكهه وثالث يعطيهم سكر أو الكنافة والقطائف ،
من ينسى لقاء أهل القرية أجمعين في صلاة العشاء والتراويح، وما يعقبها من جلسات وسهرات جماعية تُزيد الأُلفة والمحبة والتقارب بين الجميع، فالقرية لم يكن بها سوى مسجد واحد كبير يسع الجميع، وليس عشرات المساجد مثل الآن؟
من ينسى مسحراتي رمضان بصوته المميز وطبلته الرنانة قبل ظهور المنبه والهواتف المحمولة، والذي كان يجوب الشوارع قبل الفجر بساعات لإيقاظ الصائمين لتناول السحور مردداً بأعلى صوته "اصحى يا نايم وحد الدايم، رمضان كريم" ، والذي كان ينادي على أهل الشارع أو الحي بأسمائهم وكآنه واحدا منهم ، وكانت الفرحة كبيرة للأطفال عندما يشاهدونه ويلقون عليه السلام.
هذا هو ملمح بسيط من ملامح وروائح وطعامة أيام وليالي رمضان زمان، نعم رحل رمضان زمان بأيامه البسيطة، لكنه ترك في قلوبنا ما لم تستطع السنوات الحديثة أن تصنعه: "دفئاً لا يُشترى، وبهجة لا تُعاد إلا بالذكريات" .لقد كان رمضان زمان شهراً يُصنع بالمحبة لا بالمظاهر، وباللمة لا بالشاشات، ولذلك ظل في الذاكرة أجمل وأطعم من الآن.
والسؤال الأخير الذي يطرح نفسه هل تغيّر رمضان أم نحن من تغيرنا ؟ وهل نستطيع عودة روح وطعم رمضان بتاع زمان؟ أم أنه فات الأوان ولم يعد في الإمكان أن نُعيد الزمان.