إيمان مكاوي تكتب- التراث غير المادي في مصر: من صون الموروث الثقافي إلى بناء حضور دولي أكثر تأثيرًا
في السنوات الأخيرة، أصبح التراث غير المادي واحدًا من أهم عناصر القوة الثقافية للدول، ليس فقط بوصفه موروثًا يعكس الذاكرة والتاريخ، ولكن باعتباره أيضًا جزءًا من حضورها المعاصر وصورتها في العالم. فالثقافة اليوم لم تعد تقف عند حدود الحفظ والتوثيق، بل امتدت لتصبح أداة للتواصل والتأثير وبناء المكانة الدولية.
ويعكس التراث غير المادي، بما يحمله من عادات وتقاليد وممارسات وفنون شعبية ومعارف متوارثة، جانبًا حيًا من شخصية المجتمعات. فهو ليس مجرد ماضٍ يُروى، بل تجربة مستمرة تتجدد داخل الحياة اليومية، وتنتقل من جيل إلى آخر، وتحافظ على خصوصية كل مجتمع وهويته.

التراث في العالم: من الحفظ إلى التأثير
شهد العالم خلال العقود الأخيرة تغيرًا واضحًا في طريقة التعامل مع التراث. فإلى جانب الاهتمام بحمايته وصونه، أصبح هناك توجه متزايد نحو توظيفه في دعم الصناعات الثقافية، وتعزيز السياحة، وبناء الصورة الذهنية للدول.
وقد أدركت دول عديدة هذا التحول مبكرًا، فعملت على تطوير سياسات واضحة لإدارة تراثها. في اليابان، جرى تأسيس نظام "الكنوز البشرية الحية" لحماية المهارات التقليدية وضمان استمرارها. وفي كوريا الجنوبية، تم ربط التراث بالصناعات الإبداعية والإعلامية، حتى أصبح جزءًا من الحضور الثقافي العالمي. أما فرنسا، فقد أولت اهتمامًا كبيرًا بتوثيق التراث وإدماجه في سياساتها الثقافية والدبلوماسية. وفي المنطقة العربية، قدمت دول مثل الإمارات والمغرب والسعودية نماذج مهمة في التوثيق والتسجيل الدولي وربط التراث بالتنمية الثقافية والسياحية.
وتوضح هذه التجارب أن قوة التراث لا ترتبط فقط بقدمه أو تنوعه، بل بقدرة الدولة على إدارته وتقديمه للعالم بشكل منظم وواضح.
التراث المصري: ثراء كبير وحضور قابل للتطوير
تمتلك مصر واحدًا من أغنى المخزونات في مجال التراث غير المادي، يمتد من السيرة الهلالية والتحطيب والأراجوز، إلى الحرف التقليدية مثل الخيامية والتلي، إضافة إلى الموسيقى الشعبية، والممارسات الاجتماعية، والعادات المرتبطة بالحياة اليومية في الريف والمدن.
هذا التنوع يعكس عمق التجربة المصرية وتعدد روافدها الثقافية، ويشكل عنصر قوة مهمًا في بناء صورتها الحضارية عالميًا. ومع ذلك، فإن هذا الثراء الكبير يحتاج إلى أدوات أكثر تنظيمًا في التوثيق والإدارة والتقديم.
تحدي الإدارة وليس الثراء
التحدي الأساسي في هذا الملف لا يتعلق بوجود التراث، بل بكيفية التعامل معه. فالكثير من عناصر التراث تحتاج إلى توثيق مستمر، ورصد دقيق، وتحديث للبيانات، حتى يمكن الحفاظ عليها وتقديمها بصورة تعكس قيمتها الحقيقية.
كما أن وجود قاعدة معلومات وطنية شاملة يعد خطوة أساسية تساعد على فهم خريطة التراث في مصر، وتحديد الأولويات، والتخطيط بشكل أفضل للملفات المرشحة للتسجيل الدولي.
مرصد وطني للتراث غير المادي
من هنا تبرز أهمية التفكير في إنشاء مرصد وطني للتراث غير المادي، يكون بمثابة منصة مركزية لجمع وتحديث وتوثيق البيانات الخاصة بالتراث في مختلف المحافظات.
ويقوم هذا المرصد بدور مهم في بناء قاعدة معرفية متكاملة، تساعد الباحثين والمؤسسات الثقافية على الوصول إلى معلومات دقيقة، وتدعم جهود الدولة في حماية التراث وتطوير حضوره.
كما يمكن أن يسهم في تحديد العناصر الأكثر احتياجًا إلى الحماية، ودعم إعداد ملفات التسجيل الدولية، وتقديم صورة أوضح عن التراث المصري في المحافل العالمية.
وإلى جانب ذلك، تصبح الحاجة واضحة لوضع خطة وطنية ممتدة لإدارة التراث غير المادي، تقوم على رؤية واضحة وأهداف محددة، وتربط بين التوثيق والحفظ والترويج الثقافي.
هذه الخطة تساعد على تحويل الجهود المتفرقة إلى عمل منظم ومستمر، وتضمن أن يكون التراث جزءًا من السياسات الثقافية والتنموية بشكل متكامل، وليس مجرد مشروعات منفصلة.
من الحفظ إلى الحضور
يمثل التراث غير المادي عنصرًا حيًا في حياة المجتمعات، ولذلك فإن التعامل معه لا يقتصر على حمايته، بل يمتد إلى تعزيز حضوره في التعليم، والإعلام، والمجال الثقافي العام.
فكلما كان التراث حاضرًا في حياة الناس، أصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتأثير والتجدد، بدلًا من أن يظل محصورًا في نطاق التوثيق أو الدراسات الأكاديمية فقط.
وهنا يبقى التراث غير المادي أحد أهم عناصر القوة الثقافية لأي دولة، لأنه يعكس روحها الحقيقية، ويجسد علاقتها بتاريخها وحاضرها.
وتمتلك مصر في هذا المجال رصيدًا غنيًا ومتعدد الأشكال، يحتاج فقط إلى إدارة أكثر تنظيمًا ورؤية أكثر تكاملًا، حتى يتحول من مخزون ثقافي كبير إلى حضور دولي مؤثر ومستمر.
فالقيمة الحقيقية للتراث لا تكمن في امتلاكه، بل في قدرته على الحياة والتأثير والبقاء جزءًا من المستقبل.
ما رأيك في هذا الخبر؟