كشفت السينما المصرية في حرب أكتوبر عن مفارقة لافتة في يوم العبور، إذ لم تكن الأفلام المعروضة على الجمهور تتحدث جميعها عن المعارك أو الجيش، بل كان فيلم «خلي بالك من زوزو» بطولة سعاد حسني وحسين فهمي، وإخراج حسن الإمام، يتصدر مشهد دور العرض.
بدأ عرض الفيلم في أكتوبر 1972، واستمر حتى أكتوبر 1973، وحقق نجاحًا جماهيريًا كبيرًا وضعه آنذاك ضمن أكثر خمسة أفلام تحقيقًا للإيرادات في تاريخ السينما المصرية.
قصة «خلي بالك من زوزو» وأمل ما بعد النكسة
قدم الفيلم شخصية زوزو، ابنة شارع محمد علي وابنة الراقصة «ألمظية»، والتي تدرس في الجامعة وتتميز بالتفوق، قبل أن تجمعها قصة حب بشاب ينتمي إلى طبقة اجتماعية ثرية.
وخلط العمل بين الكوميديا والبهجة والصراع الطبقي، وقدم شخصية من بيئة مهمشة تبحث عن مكانها في المجتمع.
وفي السادس من أكتوبر 1973، ظل الفيلم حاضرًا في عدد من دور العرض، بينها ريفولي في القاهرة، ومترو وميامي في الإسكندرية، قبل أن يتغير كل شيء مع اندلاع الحرب.
ماذا كان يعرض في القاهرة؟
وأظهرت إعلانات دور العرض المنشورة في صحف الأهرام والأخبار والجمهورية صباح يوم 6 أكتوبر 1973 خريطة متنوعة للأفلام.
فعُرض «خلي بالك من زوزو» في قصر النيل وريفولي، بينما قدمت ديانا وكريستال فيلم «شلة المحتالين» لعادل إمام وفؤاد المهندس ومحمد عوض.
وفي مترو والأمير عُرض «البحث عن فضيحة» لعادل إمام وميرفت أمين وسمير صبري، بينما استقبلت ميامي وراديو جمهور «ذئاب على الطريق» لمحمود ياسين وشمس البارودي، في حين عرضت أوبرا والحرية «أغنية على الممر».
«أغنية على الممر».. صدفة حملت دلالة خاصة
ومن أكثر المفارقات ارتباطًا بذلك اليوم أن السينما المصرية في حرب أكتوبر كانت تعرض فيلم «أغنية على الممر»، الذي تناول أجواء الحرب من خلال قصة خمسة جنود مصريين يحاصرون في أحد ممرات سيناء ويرفضون الاستسلام.
وكان الفيلم قد أُنتج عام 1972، لكنه بدا في صباح السادس من أكتوبر وكأنه يقترب بصورة لافتة من الأحداث التي كانت مصر على موعد معها بعد ساعات، في وقت كانت فيه الحياة داخل دور العرض تسير بصورة طبيعية قبل انطلاق العمليات العسكرية.
لحظة توقف العروض بعد البيان الأول
ولم تستمر الأجواء السينمائية المعتادة طويلًا، إذ تشير شهادات من العاملين في سينما ريفولي إلى أن العرض الصباحي انتهى في العاشرة صباحًا، بينما شهد عرض الثانية ظهرًا تغيرًا مفاجئًا، تزامن مع انقطاع التيار الكهربائي عن منطقة وسط البلد.
ودخل مدير السينما إلى الصالة مطالبًا الجمهور بالمغادرة بهدوء، فيما ظن بعض الحاضرين في البداية أن الأمر يتعلق بغارة جوية.
وبعد تصاعد الأحداث، أغلقت دور العرض أبوابها خلال الأيام التالية، وتحولت الشاشات إلى وسيلة لعرض البيانات العسكرية والأغاني الوطنية.

أفلام جديدة بعد الانتصار
ومع عودة الحياة إلى دور العرض، لم يعد المشهد كما كان قبل السادس من أكتوبر، إذ تغيرت اهتمامات الجمهور ومزاجه العام بفعل أجواء الحرب والانتصار.
ولم يستعد «خلي بالك من زوزو» الزخم الجماهيري نفسه الذي حققه قبل المعركة، بينما بدأت السينما المصرية في حرب أكتوبر وما بعدها في التعبير عن المرحلة الجديدة من خلال أعمال تناولت الحرب والانتصار.
وبعد عام واحد، ظهرت أفلام مثل «الرصاصة لا تزال في جيبي» و«أبناء الصمت» و«الوفاء العظيم» و«بدور»، لتصبح شاشة السينما جزءًا من الذاكرة الفنية التي وثقت تحولات المجتمع المصري بعد نصر أكتوبر.