بعد إعادة طرح "المقايضة الكبرى": القصة الكاملة للمقترح الذي هز الوسط الاقتصادي في مصر.. هل تتجاوز الدولة العوائق القانونية والسياسية لتصفير ديونها؟ (1-4)
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
مقدمة الملف
منذ أواخر عام 2025 وحتى نهاية أغسطس 2026، لم تتوقف فكرة واحدة عن إشعال الشارع الاقتصادي والمصرفي في مصر. فكرةٌ خرجت من عباءة رجل الأعمال والمصرفي حسن هيكل تحت مسمى براق ومثير للجدل: "المقايضة الكبرى".
تتحرك الفكرة في جوهرها حول معادلة شجاعة – وربما مقلقة للبعض – تقوم على نقل ملكية جزء من أصول الدولة (بداية من حصص الشركات العامة وصولاً إلى قناة السويس) مقابل نقل كاهل الدين العام المحلي من موازنة وزارة المالية إلى ميزانية البنك المركزي، بهدف "تصفير" أعباء الفوائد التي تخنق الموازنة، وتحرير أرقام تريليونية لضخها في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
بين فريق يرى في المقترح طوق نجاة أخير لأزمة تأكل الأخضر واليابس، وآخر يصفه بـ "لعبة محاسبية" تخفي المشكلة ولا تحلها، تتبّع هذا الملف الاستقصائي رحلة هذا الطرح الصادم عبر أربع حلقات تشرح التفاصيل وكواليس الصراع الاقتصادي المحتدم.
الحلقة الأولى: كيف وُلدت الفكرة؟ من "المقايضة الصغرى" في ماسبيرو إلى تصوّر يشمل الدولة كلها
البداية: ديسمبر 2025
أول ظهور موثّق لمصطلح "المقايضة الكبرى" في النقاش العام جاء في نهاية ديسمبر 2025، حين أعاد حسن هيكل – نجل الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل – نشر تغريدة سابقة له بعد تصريحات رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي حول توجه الحكومة لخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ نحو خمسين عامًا. ربط هيكل بين هذا التصريح وبين ما كان قد طرحه سابقًا من ضرورة معالجة جذرية للدين المحلي.
في تلك النسخة الأولى من الفكرة، كان التصور يقوم على نقل استثمارات الدولة إلى صندوق سيادي تملك فيه الدولة نحو 70%، ثم تقديم نصف هذه الحصة إلى البنك المركزي – وليس إلى البنوك التجارية – في مقابل مبلغ يتراوح بين 5 و7 تريليونات جنيه بحسب تقييم الجهاز المركزي للمحاسبات، يُخصم من الدين العام المستحق.
هذا الطرح فجّر أول مواجهة علنية مع هشام عز العرب، الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي (CIB)، الذي وصف الفكرة بأنها أقرب إلى "إعلان إفلاس"، مستندًا إلى أن نحو 40% من أذون الخزانة الحكومية مملوكة لأجانب، وأن الودائع في النهاية أموال مواطنين لا يمكن التصرف فيها بهذه الطريقة. دار بين الطرفين سجال ممتد على منصة "إكس" تطرّق إلى مسائل تقنية دقيقة، منها ما إذا كانت العملية تعادل طباعة نقود جديدة أم لا، وكيف سيتم التعامل مع الدين الخارجي مثل سندات اليوروبوند.
يناير 2026: الفكرة تكتسب زخمًا إعلاميًا
خلال الأسبوعين الأولين من يناير 2026، انتقلت الفكرة من سجالات "إكس" إلى الفضائيات والصحف. في حلقة على قناة "القاهرة والناس"، قدّم هيكل عرضًا موسّعًا لرؤيته، مستهلًا حديثه بمفارقة اقتصادية: مصر تمر بواحدة من أفضل فتراتها من حيث المؤشرات الكلية – نمو يتجاوز 5%، احتياطي نقدي فوق 50 مليار دولار، تدفقات قوية من تحويلات المصريين بالخارج والسياحة – لكن المواطن لا يشعر بهذا التحسن، بل يشعر بتدهور أوضاعه المالية. أرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب: التضخم غير المصحوب بارتفاع مواز في الأجور، وأعباء الدين الداخلي التي تحول دون دعم كافٍ للتعليم والصحة، وفخ الاقتراض الاستهلاكي بفوائد مرتفعة تصل إلى 30-40%.
في اليوم نفسه تقريبًا، تحدث هيكل على هامش منتدى اقتصادي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، وقدّم فيه أول تفصيل واضح للآلية المؤسسية للمقترح. وفي مقابلة مع جريدة "المصري اليوم"، وسّع هيكل تفسيره لموقفه من دور البنك المركزي، مؤكدًا أن ميزانية البنك المركزي هي الجهة الوحيدة في البلاد القادرة على استيعاب الدين المحلي دون اللجوء لطباعة نقد جديد.
أغسطس 2026: عودة الفكرة على وقع تسوية ديون ماسبيرو
بعد أشهر من الهدوء النسبي، عاد الجدل بقوة في 29 أغسطس 2026، بالتزامن مع توقيع الحكومة المصرية اتفاقية لتسوية ديون الهيئة الوطنية للإعلام "ماسبيرو" بقيمة 88.3 مليار جنيه، ضمن ملف أوسع لتسوية المديونيات والتشابكات المالية بين بنك الاستثمار القومي وجهات الدولة، بلغت قيمته الإجمالية 294.1 مليار جنيه منذ يونيو الماضي.
استثمر هيكل، الذي بات يشغل موقع مستشار رئيس مجلس الوزراء المصري، هذه اللحظة ليطرح فكرته من جديد عبر منشور مطوّل على "إكس"، شارحًا كيف تم تصفير ديون ماسبيرو عبر مقايضة أصول – أراضٍ في الأغلب – مع نقل الدين إلى بنك الاستثمار القومي، واقترح تعميم النموذج نفسه على مستوى الدولة: الدولة بدل ماسبيرو، البنك المركزي بدل بنك الاستثمار القومي، وملكية الدولة في الشركات العامة – أو حتى قناة السويس – بدل الأراضي.
كانت هذه المرة الأولى التي يُذكر فيها اسم قناة السويس صراحة كأحد الأصول المحتمل طرحها في المقايضة، وهو ما فتح فصلًا جديدًا وأكثر حدة من الجدل.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟