" فى هذا التحقيق أسباب انتشار الأفاعي في مصر، ويرصد شهادات الأهالي وآراء الخبراء، ويكشف حقيقة الشائعات، ومدى جاهزية الدولة لمواجهة الظاهرة.
أمسك المزارع بقدمه في محاولة لفهم ما حدث، لكن الألم كان أسرع من استيعابه. دقائق قليلة، وبدأ جسده يفقد مقاومته بينما كان السم يشق طريقه داخل عروقه. لم يرَ سوى أثر حركة سريعة اختفت بين النباتات، ولم يكن يعلم أن لدغة خاطفة ستنقله من رحلة البحث عن لقمة العيش إلى سباق مع الموت.
قبل دقائق فقط، كان يومه يبدو عاديًا؛ خرج مع شروق الشمس إلى أرضه الزراعية، كما يفعل منذ سنوات، مؤمنًا بأن الخطر الحقيقي هو مشقة العمل وحرارة الجو. لم يتخيل أن تهديدًا آخر أصبح يختبئ بين المحاصيل، وأن الأفاعي التي اعتاد المصريون رؤيتها في الصحاري والجبال بدأت تظهر بصورة لافتة في الأراضي الزراعية والقرى، لتثير حالة من الخوف بين المزارعين والأهالي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تكررت البلاغات عن ظهور الثعابين ولدغاتها في عدد من المحافظات، لتتحول الوقائع الفردية إلى ظاهرة تفرض تساؤلات ملحة: لماذا اقتربت الأفاعي من التجمعات السكانية؟ وهل تقف التغيرات المناخية والتوسع العمراني واختلال التوازن البيئي وراء هذا المشهد؟ أم أن هناك أسبابًا أخرى لم تُكشف بعد؟
في هذا التحقيق، يرصد "
"خريطة انتشار الظاهرة، ويستمع إلى شهادات الضحايا والخبراء، ويبحث في الأسباب العلمية، ويواجه الجهات المعنية بالسؤال الأهم: لماذا خرجت الأفاعي من جحورها، وهل أصبحت الحقول المصرية ساحة لخطر لم يألفه المزارعون بهذا الشكل من قبل؟
لم تعد مشاهد ظهور الأفاعي داخل الأراضي الزراعية مجرد وقائع متفرقة، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مصدر قلق حقيقي في عدد من المحافظات، وعلى رأسها محافظة الشرقية، التي شهدت قرى بمراكز منيا القمح وأبو كبير وبلبيس تكرارًا لحوادث ظهور الثعابين، تزامن معها وقوع حالات وفاة وإصابات بين المواطنين نتيجة اللدغات، ما أثار حالة من الخوف بين الأهالي، خاصة المزارعين الذين يقضون ساعات طويلة في الحقول.

ومع تزايد البلاغات وتداول صور ومقاطع فيديو لعمليات اصطياد الثعابين، برزت تساؤلات حول أنواع الثعابين المنتشرة و الأسباب التي دفعت هذه الزواحف إلى الاقتراب من المناطق المأهولة، وما إذا كانت الظاهرة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، أو التغيرات البيئية، أو عوامل أخرى تستوجب تدخلًا عاجلًا من الجهات المعنية.
يخلط كثير من المواطنين بين مصطلحات "الثعبان" و"الأفعى" و"الكوبرا"، رغم وجود فروق واضحة بينها. فـالثعبان هو الاسم العام الذي يطلق على جميع الزواحف عديمة الأطراف التابعة لرتبة الحيات، ويضم مئات الأنواع، منها السام وغير السام.
أما الأفعى فهي مجموعة من الثعابين السامة، تتميز غالبًا بجسم قصير نسبيًا ورأس مثلث الشكل وعنق واضح، وتمتلك أنيابًا طويلة قابلة للطي تستخدمها لحقن السم. ويؤثر سم معظم الأفاعي في الدم والأنسجة، وقد يسبب نزيفًا وتلفًا في الأنسجة إذا لم يُعالج المصاب سريعًا.

في المقابل، تُعد الكوبرا المصرية أحد أشهر الثعابين السامة في مصر، وتنتمي إلى فصيلة مختلفة عن الأفاعي. وتمتاز بقدرتها على فرد رقبتها في شكل يشبه "القلنسوة" عند الشعور بالخطر، كما تمتلك سمًا عصبيًا شديد الخطورة يهاجم الجهاز العصبي، وقد يؤدي إلى شلل عضلات التنفس إذا لم يتلق المصاب المصل والعلاج العاجل.
ويؤكد الدكتور إبراهيم صالح خبير الحياة البرية أن الكوبرا المصرية لا تهاجم الإنسان من تلقاء نفسها، وإنما تلجأ إلى اللدغ عندما تشعر بالتهديد أو عند محاصرتها، لذلك ينصح بعدم الاقتراب منها أو محاولة الإمساك بها، وترك التعامل معها للمتخصصين.
داخل قرى منيا القمح، لم يعد حديث الأهالي يدور فقط حول الزراعة والمحصول، بل أصبح الخوف من الثعابين حاضرًا في كل تجمع.
يقول محمد دياب، أحد أهالي قرية كفر حسين الطوبجي: “إحنا كل أسبوع تقريبًا بنقتل تعبان أو أفعى، بسبب ورد النيل اللي مالي الترع والمصارف، وبقى مكان طبيعي للتعابين. بقينا عايشين في رعب، وخايفين على عيالنا قبل ما نخاف على نفسنا.”
ويضيف عماد فوزى أحد المزارعين بالقرية: “زمان كنا بننزل الأرض وإحنا خايفين من الحر أو التعب، دلوقتي بقينا بنبص تحت رجلينا في كل خطوة. أي حركة وسط الزرع بتخلينا نفتكر إنه تعبان.”
ويقول محمود على مزارع آخر: “بقينا نلبس جزم طويلة ونحاول ننزل مجموعات، لكن محدش ضامن حاجة. الأرض هي مصدر رزقنا، ومينفعش نسيبها، لكن في نفس الوقت بقينا بننزل وإحنا مش ضامنين هنرجع بيوتنا ولا لأ.”
أما صباح جمعة إحدى السيدات من قرية القراقرة فقالت: “بعد اللي حصل مع الطفل عبدالرحمن، بقينا مانسمحش لأولادنا يخرجوا ناحية الغيط زي الأول. الخوف دخل كل بيت، وكل يوم بنسمع عن تعبان اتشاف في أرض أو جنب ترعة.”
ويختتم صلاح غزال أحد الأهالي حديثه قائلًا: “إحنا مش طالبين غير إن المسؤولين يشوفوا حل. الترع محتاجة تتنضف، وورد النيل يتشال، والناس تتوعى، لأن اللي بيحصل بقى يخوف.”
لم يعد الخوف من الثعابين يقتصر على المزارعين داخل الحقول، بل امتد إلى المنازل والطرق الزراعية، ودفع كثيرًا من الأهالي إلى تغيير عاداتهم اليومية، خشية التعرض للدغات جديدة.

وتقول نورا أحمد، ابنة أحد المزارعين بقرية كفر الطوبجي بمحافظة الشرقية: “الخوف خلّى الناس تتمسك بأي أمل. جبنا رفاعي عشان يخلصنا من الثعابين، لكنه فضل يطلع تعابين من شنطته ويقول إنه اصطادها عندنا، وبعدها طلب فلوس كتير، وبعدها اكتشفنا إن التعابين كانت معاه من الأساس، وكان بيستغل خوف الناس.”

وأضافت أن بعض الأهالي لجأوا أيضًا إلى وسائل شعبية متوارثة، مثل تعليق نبات الشيح على أبواب المنازل وحول الحظائر، اعتقادًا منهم أنه يطرد الثعابين، في ظل حالة القلق التي تعيشها القرى مع تكرار ظهورها.
ومع تكرار الحوادث، تعددت تفسيرات المواطنين لأسباب انتشار الثعابين، وإن كانت جميعها تعكس مخاوفهم وتساؤلاتهم، دون أن تستند إلى أدلة علمية أو نتائج تحقيقات رسمية.
ويقول عبد الله فريد، أحد المواطنين: “انتشار الثعابين بقى لغز محير.. منين جت وإزاي انتشرت؟ إحنا عمرنا ما شوفناها بالشكل ده. واللي بيحصل غريب على المجتمع، خاصة بعد الكلام عن ظهور تماسيح في الترع.. مين اللي بيعمل كده؟”
ويرى عبد الرحمن نصر أن “أكيد في حد مربي الأفاعي دي، مستحيل تظهر بالكميات دي لوحدها.”
فيما تقول ولاء سرحان: “أنا متوقعة، والله أعلم، إن ممكن يكون في حد عامل مزرعة تعابين، خاصة إن جلد الثعابين غالي، ويمكن أفعى هربت وفقست بيضها.”
وتبقى هذه الآراء والتفسيرات المتداولة بين المواطنين انعكاسًا لحالة الخوف والقلق التي صاحبت الظاهرة، بينما يظل الحسم مرهونًا بما تقوله الجهات المختصة والخبراء، وهو ما يتناوله التحقيق في المحاور التالية.
في مقابل التفسيرات المتداولة بين المواطنين، يؤكد خبراء الحياة البرية أن زيادة ظهور الثعابين خلال فصل الصيف ترجع إلى عوامل علمية وبيئية معروفة، ولا تعني بالضرورة وجود سبب غير طبيعي أو انتشارًا ناتجًا عن تدخل بشري.
ويقول الدكتور عاطف محمد كامل أحمد، رئيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان، إن ظهور ثعابين الكوبرا داخل مزارع الأرز بقرية القراقرة التابعة لمركز منيا القمح، وما صاحبه من حالات وفاة وإصابات، أثار حالة من الفزع بين الأهالي، إلا أن وجودها في هذه البيئات يجد تفسيرًا علميًا واضحًا. فحقول الأرز والأراضي المغمورة بالمياه توفر بيئة مثالية لاختباء الثعابين، لما تتميز به من رطوبة، فضلًا عن وفرة الغذاء الذي تعتمد عليه، مثل القوارض والضفادع المنتشرة حول الترع والمصارف.

وأضاف كامل إلى وجود عامل آخر يسهم في زيادة أعداد الثعابين، يتمثل في التراجع الملحوظ لأعداد حيوان "النمس المصري"،الذي يُعد أحد أهم الأعداء الطبيعية للثعابين، نتيجة الصيد الجائر وعمليات الاتجار والتهريب، ما أدى إلى اختلال جزء من التوازن البيئي الذي كان يحد من انتشارها.
وأوضح أن النمس يُعد من أبرز المفترسات الطبيعية للثعابين، بما فيها الكوبرا المصرية، وهو ما يجعله عنصرًا مهمًا في المكافحة البيولوجية لهذه الزواحف. كما لفت إلى أن الكوبرا المصرية من أخطر أنواع الثعابين السامة، إذ تمتلك قدرة على نفث السم في بعض الحالات الدفاعية، إلى جانب اللدغ، ويؤثر سمها بصورة مباشرة على الجهازين العصبي والتنفسي، ما يستدعي سرعة التدخل الطبي عند التعرض للدغتها.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بوزارة الزراعة، أن تزايد نشاط الثعابين والعقارب خلال فصل الصيف يعد ظاهرة موسمية تتكرر سنويًا مع اشتداد الحرارة، مشيرًا إلى أن بداية شهر بؤونة ودخول فصل الصيف فلكيًا يرفعان درجة حرارة الجحور، ما يدفع الزواحف إلى الخروج والبحث عن أماكن رطبة لتبريد أجسامها.

وأوضح فهيم أن أغلب الثعابين الموجودة في الأراضي الزراعية المصرية غير سامة، باستثناء الكوبرا وبعض أنواع الأفاعي، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية التعامل بحذر مع أي لدغة، والتوجه فورًا إلى أقرب مستشفى. كما أرجع ظهور الثعابين داخل بعض المدن إلى التوسع العمراني بالقرب من الظهير الصحراوي، وهو ما أدى إلى اضطراب بيئاتها الطبيعية ودفعها إلى الاقتراب من المناطق السكنية.
ودعا الخبراء المزارعين إلى ارتداء الأحذية المطاطية الطويلة والملابس الواقية أثناء العمل في الحقول، خاصة بالقرب من الترع والمصارف والحشائش الكثيفة، مع توخي الحذر عند رفع أكوام القش أو الأخشاب، باعتبارها من أكثر الأماكن التي قد تتخذها الثعابين مأوى لها.
وفيما يتعلق بجاهزية المنظومة الصحية، أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة والسكان، أن المصل المضاد للدغات الثعابين متوافر بجميع المستشفيات التابعة للوزارة، ولا يوجد أي نقص في الإمداد أو التوزيع، مشددًا على أن التعامل مع المصابين يتم وفقًا للبروتوكولات العلاجية المعتمدة.
وأوضح عبدالغفار أن التعرض للدغة ثعبان لا يعني بالضرورة الحاجة إلى الحصول على المصل، موضحًا أن بعض أنواع الثعابين غير سامة، كما توجد حالات تُعرف طبيًا بـ"اللدغة الجافة"، وهي الحالات التي يلدغ فيها الثعبان دون أن يحقن السم في جسم المصاب. لذلك، فإن قرار إعطاء المصل لا يُتخذ بصورة تلقائية، وإنما بعد تقييم الحالة من قبل الفريق الطبي المختص، وفقًا للأعراض الإكلينيكية ونوع الإصابة، بما يضمن تقديم العلاج المناسب لكل حالة.

وبالتزامن مع تداول تساؤلات المواطنين حول احتمال وجود تجارة غير مشروعة للثعابين، أعادت الدكتورة شيرين علي زكي، مفتش بمديرية الطب البيطري بالجيزة، نشر تفاصيل إحدى الضبطيات الرسمية التي تمت خلال يوليو 2025، مؤكدة صحة الصور المتداولة لها.
وأوضحت أن رجال الجمارك والحجر البيطري والحياة البرية بمطار القاهرة تمكنوا آنذاك من إحباط محاولة لتهريب عدد من الزواحف السامة داخل البلاد، كانت بحوزة راكب قادم على متن الخطوط الجوية الروسية، وضمت المضبوطات أربعة ثعابين من نوع "الكوبرا البخاخة" السوداء والحمراء، إلى جانب عقارب برازيلية وفيتنامية، وكميات من الصراصير والديدان، دون الحصول على التصاريح أو الشهادات الصحية اللازمة، وبالمخالفة لاتفاقية "سايتس" الدولية المنظمة لتجارة الأنواع المهددة بالانقراض.
وتم تحرير محضر بالواقعة، والتحفظ على المضبوطات وتسليمها إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية. ورغم أن هذه الواقعة تؤكد وجود محاولات فردية لتهريب الزواحف إلى داخل البلاد، فإنها لا تمثل دليلًا على وجود علاقة بينها وبين حالات ظهور الثعابين في الأراضي الزراعية خلال الموسم الحالي، والتي يرجعها المتخصصون إلى عوامل بيئية ومناخية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وموسم نشاط الثعابين.
وفي محافظة الإسكندرية، كشف صائد الثعابين أحمد رجب الدكروني عن واقعة جديدة تعكس نشاط الثعابين خلال الموسم الحالي، موضحًا أنه وفريقه أمضوا أكثر من ثلاث ساعات في تتبع جحر داخل إحدى مزارع الفاكهة الواقعة بطريق محور أبو قير الجديد، الرابط بين المحمودية والمعمورة، قبل أن يتمكنوا من العثور على ما يقارب 30 بيضة يُرجح أنها تعود للكوبرا المصرية، بينما لم يتم الوصول إلى الأفعى الأم بسبب امتداد الجحر إلى أعماق أكبر.

وأكد الدكروني أن موقع العثور على البيض يقع في عمق الأراضي الزراعية، بعيدًا عن الكتل السكنية، مشيرًا إلى أن المنطقة تُعد من البيئات التي تشهد ظهور الكوبرا المصرية بصورة موسمية كل عام، وأن العثور على البيض في هذا التوقيت ليس ظاهرة استثنائية، وإنما يتزامن مع موسم نشاط وتكاثر الثعابين.
وأضاف أن الهدف من نشر الواقعة هو توعية المزارعين والعاملين بالأراضي الزراعية بضرورة توخي الحذر، وليس إثارة الذعر، داعيًا إلى عدم محاولة التعامل مع الثعابين بصورة فردية، والاستعانة بالمتخصصين عند رصد أي زواحف سامة، مع الالتزام بارتداء الأحذية الواقية وتفقد أماكن الحشائش وأكوام المخلفات الزراعية قبل الاقتراب منها، خاصة خلال أشهر الصيف التي تشهد ذروة نشاط الثعابين.
حسم أحمد رجب الدكروني الجدل الذي أثير مؤخرًا بشأن إمكانية انتقال سم الثعابين إلى الخضروات والفاكهة، مؤكدًا أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أي أساس علمي.

وأوضح الدكروني أن الثعابين لا تهاجم النباتات أو تتغذى عليها، وإنما تستخدم سمها فقط عند صيد فرائسها أو للدفاع عن نفسها عند الشعور بالخطر، مشيرًا إلى أنه حتى في حال تعرض ثمرة أو نبات للدغ من ثعبان، فإن السم لا ينتقل إلى باقي أجزاء النبات أو إلى الثمار، لأن سم الثعابين عبارة عن بروتينات وإنزيمات تؤثر في أنسجة الكائنات الحية التي تمتلك جهازًا دوريًا، بينما النباتات لا تمتلك دورة دموية تسمح بانتشار السم داخلها.
وأضاف أن الضرر الحقيقي يقع على الإنسان أو الحيوان إذا تعرض للدغة مباشرة، وليس على المحاصيل الزراعية، مؤكدًا أن الخضروات والفاكهة لا تصبح سامة بسبب مرور ثعبان عليها أو حتى لدغها.
وأشار إلى أن الخطر الذي قد يهدد سلامة الثمار يكون في الغالب ناتجًا عن إصابتها بالآفات الزراعية أو الفطريات، موضحًا أن وجود دودة داخل الثمرة أو إصابتها بعفن أو فطريات قد يكون أكثر تأثيرًا على جودة وسلامة المحصول من الادعاءات المتداولة بشأن انتقال سم الثعابين إلى الخضروات والفاكهة، داعيًا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات والاعتماد على المعلومات العلمية الموثقة.
يرى الدكتور خالد سليم، نقيب الأطباء البيطريين السابق، أن تزايد ظهور الثعابين خلال الفترة الحالية يرتبط بمتغيرات بيئية ومناخية واضحة، في مقدمتها الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، إلى جانب التوسع العمراني في المناطق الصحراوية، مؤكدًا أن هذه العوامل دفعت الثعابين إلى مغادرة جحورها والاقتراب من المناطق الزراعية والسكنية بحثًا عن أماكن أكثر برودة ورطوبة.

وأوضح أن الثعابين من الكائنات ذوات الدم البارد، ولذلك تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة، كما أن انتشارها في حقول الأرز يرتبط بتوافر البيئة المناسبة من حيث الرطوبة ووفرة الفرائس، مثل الضفادع والقوارض. وأشار إلى أن وجودها، رغم ما يثيره من مخاوف، يؤدي دورًا مهمًا في الحفاظ على التوازن البيئي، إذ تسهم في الحد من تكاثر الفئران والقوارض التي تمثل خطرًا على المحاصيل الزراعية وتنقل العديد من الأمراض. وأضاف أن الاعتقاد بأن جميع الثعابين سامة وغير صحيح، إلا أنه شدد على ضرورة التعامل مع أي ثعبان بحذر شديد، لعدم قدرة غير المتخصصين على التمييز بين الأنواع السامة وغير السامة.
وأكد الدكتور محمد إسماعيل رئيس وحدة الحياة البرية بجهاز شؤون البيئة بمصر، أن الوقاية تمثل خط الدفاع الأول للحد من ظهور الثعابين داخل المنازل والمزارع، مشددين على أهمية إزالة الحشائش الكثيفة وأكوام الأخشاب والمخلفات الزراعية التي توفر لها أماكن للاختباء، إلى جانب مكافحة القوارض والحشرات التي تعد مصدرًا رئيسيًا لغذائها، وسد الشقوق والفتحات في الجدران والأسوار وتركيب شبكات ضيقة على فتحات الصرف والتهوية لمنع تسللها.

وأشار إلى أنه يمكن الاستعانة ببعض الوسائل الطاردة في محيط المنازل والمزارع، مثل استخدام القطران (بلاك تار) أو بعض الروائح النفاذة التي يعتقد أنها تساعد في إبعاد الزواحف، مع التأكيد على أن فعاليتها تختلف بحسب الظروف المحيطة ولا تغني عن إجراءات النظافة والتأمين. كما نصحوا بعدم محاولة الإمساك بالثعبان أو قتله عند مشاهدته، بل الابتعاد عنه بهدوء وإبلاغ الجهات المختصة أو المتخصصين في اصطياد الزواحف، مع التوجه الفوري إلى أقرب مستشفى في حال التعرض لأي لدغة، وعدم اللجوء إلى الممارسات الشعبية التي قد تؤخر العلاج وتزيد من خطورة الإصابة.

بين صرخات المزارعين في الحقول، ومخاوف الأهالي التي غذّتها الوقائع والشائعات معًا، والتفسيرات العلمية التي تربط الظاهرة بارتفاع درجات الحرارة والتغيرات البيئية، تتكشف حقيقة أكثر تعقيدًا من مجرد ظهور ثعابين في أماكن لم يعتدها الناس. فالخطر الحقيقي لا يكمن فقط في وجود الأفاعي، بل في غياب الوعي بكيفية التعامل معها، وانتشار المعلومات غير الدقيقة التي قد تكون أكثر ضررًا من الثعبان نفسه.
ورغم ذلك، يبقى تقليل المخاطر مرهونًا بتكاتف جهود الجهات المعنية في إزالة الحشائش والمخلفات، ومكافحة القوارض، وتكثيف حملات التوعية، مع التزام المواطنين بإجراءات الوقاية والإبلاغ عن أي ظهور للثعابين للجهات المختصة.
ففي النهاية، ستظل الحقول مصدرًا للرزق والحياة، لكن حماية من يعملون فيها لا تقل أهمية عن حماية المحاصيل نفسها، لأن معركة الإنسان مع الطبيعة لا تُحسم بالخوف أو الشائعات، وإنما بالعلم، والوعي، والاستعداد.
ما رأيك في هذا الخبر؟