ملف استقصائي | من التصنيع إلى التكنولوجيا: قراءة في أبعاد الشراكة المصرية الصينية الجديدة (1-4)
أربع حلقات في السياسة والتجارة والصناعة والتكنولوجيا
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
في صحراء العين السخنة، حيث لا يوجد إلا الرمل والصمت، كانت هناك قصة تُروى منذ عام 2008 لم ينتبه إليها كثيرون: مصنع تلو الآخر يُبنى، وعامل مصري تلو الآخر يتدرب على يد مهندس صيني، حتى تحوّلت تلك البقعة المهجورة إلى مدينة صناعية كاملة تنبض بالحياة والدولارات وفرص العمل. تلك القصة الصغيرة، التي مرت دون ضجيج إعلامي يوازي حجمها الحقيقي، هي المفتاح لفهم ما جرى في القاهرة هذا الصيف، حين حطّت طائرة الرئيس الصيني شي جين بينج على أرض مصر لأول مرة منذ عشر سنوات كاملة.
لكن هذه الزيارة لم تكن مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، ولا صورة تذكارية تُضاف إلى أرشيف العلاقات الدولية. فخلف المصافحات الرسمية والخطابات المنمّقة، كانت هناك أسئلة أكبر بكثير تنتظر إجابة: لماذا اختارت بكين مصر تحديدًا لتكون الوجهة الثنائية الوحيدة في جولة رئيسها الآسيوية؟ وكيف تحوّلت علاقة عمرها سبعون عامًا من تبادل السفراء إلى شراكة تُبنى فيها الأقمار الصناعية بأيدٍ مصرية صينية مشتركة؟ ولماذا يتحدث الخبراء اليوم عن "عقد ذهبي" قادم بين البلدين، بينما لا يزال كثير من المصريين لا يدركون حجم ما يجري فعلًا في الكواليس؟
هذا الملف ليس مجرد تغطية لزيارة رسمية، بل محاولة للغوص خلف الأرقام والتصريحات، لنفهم كيف تتحول الاتفاقيات السياسية إلى مصانع تشغّل الشباب، وكيف تتحول القمم الدبلوماسية إلى شحنات فراولة مجمدة تصل إلى موائد أكثر من مليار مستهلك صيني، وكيف يمكن لبلد مثل مصر أن يحوّل موقعه الجغرافي من عبء تاريخي إلى أعظم أوراقه التفاوضية في القرن الحادي والعشرين. أربع حلقات، من السياسة إلى التكنولوجيا، نحاول فيها أن نجيب عن سؤال واحد يستحق الانتظار: هل نقف بالفعل أمام بداية عصر اقتصادي جديد لمصر، أم أن الطريق ما زال طويلًا أمام تحويل الوعود إلى واقع ملموس؟
الحلقة الأولى: سبعون عامًا من الثقة: الجذور السياسية للشراكة المصرية الصينية
تعود العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين إلى 30 مايو 1956، حين أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية، في خطوة سبقت بها كثيرًا من محيطها الإقليمي والدولي. ومنذ ذلك التاريخ، مرت العلاقة بمحطات متعددة، لكنها لم تشهد قفزتها النوعية الحقيقية إلا مع إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في ديسمبر 2014، خلال الزيارة الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي إلى بكين.

منذ ذلك الإعلان، تكثفت اللقاءات بين قيادتي البلدين بوتيرة لافتة؛ إذ التقى الرئيسان أكثر من ثلاث عشرة مرة خلال العقد الأخير وحده، بحسب ما أوضحه الدكتور دينج لونج، أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي زار الصين سبع مرات بين عامي 2015 و2025، شارك خلال اثنتين منهما في منتدى الحزام والطريق للتعاون الدولي.
ويرى لونج أن زيارة الرئيس الصيني للقاهرة هذا العام لا تُقاس بأهميتها الثنائية وحدها، بل بكونها إعلانًا عمليًا عن بلوغ الشراكة بين البلدين مرحلة وصفتها الخارجية الصينية بأنها الأفضل في تاريخ العلاقة، وأنها تمثل نموذجًا لتضامن دول الجنوب العالمي وتعاونه المتبادل النفع. ويضيف أن جدول أعمال الزيارة تجاوز البيان المشترك التقليدي، ليشمل توقيع وثائق في التجارة الإلكترونية والاقتصاد الأخضر والصحة والتحول الرقمي والتمويل بالعملات المحلية، وهو ما يعني، من وجهة نظره، انتقال التعاون من مرحلة البنية التحتية الثقيلة إلى ما يسميه البنية فوق البنية، أي من الموانئ والأبراج إلى الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد الإقليمية.

مصر.. حلقة الوصل التي تبحث عنها بكين
في قراءته للأبعاد الإقليمية للزيارة، يشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس، جمال سلامة، إلى أن بكين تنظر إلى القاهرة باعتبارها وسيطًا إقليميًا موثوقًا به، بفضل دورها الدبلوماسي في محاولات التهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وعلاقاتها المتوازنة مع واشنطن وقوى الشرق الأوسط الأخرى في آنٍ واحد. ويرى سلامة أن هذه العلاقات تمنح الصين ما وصفه بـ«نافذة سياسية ونفوذًا دبلوماسيًا» في منطقة تسعى بكين لتعزيز حضورها فيها.
ويؤكد سلامة أن ما تسعى إليه مصر ليس الانحياز الكامل لأي من القوتين الكبريين، بل ما يصفه بـ«الاستقلالية الاستراتيجية»؛ أي عدم القطيعة مع واشنطن وعدم الاندماج الكامل في المحور الصيني، وإنما خلق هامش كافٍ من الحركة يتيح لمصر متابعة مصالحها الوطنية بحرية أكبر. وهذا التوازن، بحسب خبراء آخرين، هو ما يفسر استمرار العلاقة رغم كل التحولات الدولية، إذ تقوم على مبدأي احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهو ما يجعلها أقل عرضة للاهتزاز مقارنة بتحالفات أخرى ترتبط بتبدل الإدارات السياسية.
سياسيًا، أكدت مصر باستمرار التزامها بمبدأ الصين الواحدة، فيما تدعم بكين بثبات، بحسب البيانات الرسمية المصرية، حق مصر السيادي في مياه النيل، وترفض أي إجراءات أحادية من دول المنبع قد تمس أمنها المائي، وهي رسالة سياسية ذات وزن اقتصادي أيضًا بالنسبة لدولة تعتمد على النيل في أكثر من 90 بالمئة من مواردها المائية.

نواب: رسالة ثقة دولية في الدور المصري
على الصعيد البرلماني، وصفت النائبة هناء العبيسي، عضو مجلس النواب، الزيارة بأنها محطة فارقة، مشيرة إلى أن مصر كانت الدولة الوحيدة التي شملتها جولة الرئيس الصيني بزيارة ثنائية مستقلة، وهو ما تعتبره انعكاسًا لمكانة القاهرة كحلقة توازن بين الشرق والغرب. كما أشاد النائب اللواء محمد صلاح أبو هميلة، رئيس لجنة الشئون العربية بمجلس النواب، بتوقيت الزيارة، معتبرًا أنها تؤكد الدور المحوري لمصر كركيزة استقرار في المنطقة العربية، وكجسر يربط أفريقيا بآسيا والعالم العربي.
وبعيدًا عن الاحتفالية الرسمية، يكمن السؤال الأعمق في قدرة هذه العلاقة السياسية المتراكمة على أن تتحول إلى قيمة اقتصادية ملموسة يشعر بها المواطن المصري في حياته اليومية، وهو ما تحاول الحلقة الثانية من هذا الملف الإجابة عنه من خلال قراءة الأرقام.


اقرأ أيضاً:
- «مستقبل وطن» يفتتح 9 معارض للعام الدراسي بالفيوم بتخفيضات تصل إلى 30%
- محافظ البحيرة تعلن رفع درجة الإستعداد لإنطلاق الموجة الـ30 لإزالة التعديات على الأراضي الزراعية و أملاك الدولة
- الزراعة تُطلق غداً..الحملة القومية الثانية لتحصين الماشية ضد مرضي الحمى القلاعية وحمى الوادي المتصدع
- التعليم العالي : السبت.. بدء تسجيل رغبات طلاب المرحلة الثالثة بتنسيق القبول بالجامعات الحكومية والمعاهد بحد أدنى 50% للنظامين الحديث والقديم
- وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن إنطلاق الموجة 30 لإزالة التعديات علي أملاك وأراضي الدولة غداً السبت
ما رأيك في هذا الخبر؟