من النفط إلى الأسواق الناشئة: كواليس وتداعيات أزمة إيران والخليج على اقتصاد مصر والعالم (1)
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
مقدمة: حرب لا نراها، لكننا ندفع ثمنها كل يوم
لم يشعر أحدٌ في القاهرة بصوت انفجار، ولم ترتجّ نافذة واحدة في الإسكندرية أو أسوان. ومع ذلك، في صباح ما من مارس 2026، استيقظ المصريون على خبر رفع أسعار الوقود بنسبة تقترب من الخُمس. لم تكن هناك غارة، ولا جبهة قتال، ولا حتى بيان عسكري. كان هناك فقط رقم على شاشة بورصة بعيدة، وقرار حكومي محلي وُلد من رحم ذلك الرقم.
هذه هي الحرب كما يعيشها معظم سكان الكوكب اليوم: لا تصلهم كصوت، بل كفاتورة. لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد الجنيهات الإضافية التي يدفعها موظف في مصر الجديدة كي يملأ خزان سيارته، أو بالدقائق التي تُقتطع من الكهرباء في مساء صيفي خانق. حين تندلع حرب على ضفاف مضيق هرمز، على بُعد أكثر من ألفي كيلومتر من القاهرة، فإن أول من يشعر بحرارتها ليس بالضرورة من يقف على خط النار، بل من يقف في طابور محطة وقود لا يعرف لماذا ارتفع السعر مجدداً.
هذا الملف محاولة لتتبع خيط رفيع، لكنه حاسم، يربط بين انفجار في مياه الخليج وبين قرار اقتصادي في وزارة المالية المصرية، وبين اجتماع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن وبين إغلاق محل بقالة في أم درمان، وبين تقرير بحثي في معهد ماكينزي وبين مصير محطة تصدير غاز على الساحل المصري. أربع حلقات، تبدأ من لحظة الانفجار الأولى في هرمز، وتمر عبر القاهرة وهي تحاول أن تمتص الصدمة دون أن تنكسر، ثم تصعد إلى الغرف المغلقة في البنك الدولي والفيدرالي الأميركي حيث تُتخذ قرارات تغيّر مصائر ملايين البشر، لتنتهي بسؤال يخصّ الجميع: هل يمكن لعالم بُني اقتصاده على شريان نفطي واحد أن يتعلم، ولو مرة، كيف يحمي نفسه قبل الصدمة القادمة؟
ما ستقرأه ليس سرداً لأخبار متفرقة، بل محاولة لفهم كيف يتحول قرار سياسي في طهران أو واشنطن إلى واقع ملموس في حياة سيدة بمنزل في القاهرة تراقب عداد الكهرباء بقلق، أو تاجر في الخرطوم أغلق محله لأنه لم يعد قادراً على تسعير بضاعته. فتابعونا في هذه الرحلة عبر أربع حلقات، من قاع البحر عند هرمز إلى أعلى طوابق أبراج التمويل الدولي.

الحلقة الأولى: ليلة أُغلق فيها العالم من مضيقه الأضيق
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، لم يكن أحد في القاهرة يتخيل أن ضربة عسكرية أميركية-إسرائيلية على أهداف إيرانية، وقعت على بُعد آلاف الكيلومترات، ستنتهي بإغلاق المحال المصرية أبوابها في وقت أبكر، وتعتيم بعض شوارع العاصمة. لكن هذا بالضبط ما حدث، وهو ما يختصر جوهر هذا الملف: حرب لم تُطلق فيها مصر رصاصة واحدة، لكنها دفعت من فاتورتها كأي طرف مباشر فيها تقريباً.
القصة تبدأ من مكان لا علاقة مباشرة لمصر به جغرافياً، لكنه يتحكم في نصيب الأسد من الطاقة التي تحرّك اقتصادها: مضيق هرمز. هذا الممر المائي الضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أدق نقطة واحداً وعشرين ميلاً بحرياً فقط، يمر عبره في الأحوال الطبيعية نحو خُمس ما يستهلكه كوكب الأرض بأكمله من نفط وغاز مسال. فحين بدأت طهران التلويح بإغلاقه أمام ما وصفته بالسفن "المعادية"، لم يكن الأمر تهديداً إعلامياً عابراً؛ فخلال أسابيع قليلة تحوّل الكلام إلى ألغام بحرية ومسيّرات وصواريخ استهدفت ناقلات حقيقية في مياه دولية.
الأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم ما جرى. خام برنت، الذي كان يتداول عند نحو 68 دولاراً للبرميل في المتوسط خلال 2025 -في سوق كانت فيها الإمدادات تفوق الطلب بثلاثة إلى أربعة ملايين برميل يومياً- قفز خلال أسابيع الحرب الأولى إلى ما يتجاوز 120 دولاراً، في أعنف صعود شهري تشهده الأسواق منذ عقود. وخلف كل دولار إضافي في سعر البرميل، كانت هناك فاتورة تدفعها دول بأكملها بعملتها المحلية المنهكة أصلاً، وعلى رأسها مصر التي لا تنتج ما يكفيها من النفط والغاز.
المفارقة أن كبريات مؤسسات الاستثمار العالمية بدت، بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب، أكثر حيرة لا أقل. فريق أبحاث السلع الأولية في بنك "جيه بي مورغان" أرسل إلى عملائه مذكرة غير معتادة في لهجتها، اعترف فيها بأنه لم يعد يملك سيناريو أساسياً واضحاً يبني عليه توقعاته لمسار الحرب وأثرها على أسعار النفط. البنك، الذي كان قد افترض في بداية النزاع وجود "خطوط حمراء اقتصادية" لن تسمح إدارة الرئيس دونالد ترامب بتجاوزها -تخطي النفط 100 دولار، بلوغ التضخم 4%، تجاوز البنزين 5 دولارات للغالون، ووصول عائد سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات إلى 5%- وجد نفسه بعد نصف عام أمام واقع تجاوزت فيه كل هذه الخطوط الحمراء واحداً تلو الآخر، دون أن يقترب العالم من نهاية واضحة.

الرئيس الأميركي نفسه لم يُخفِ، في تصريحات علنية للصحفيين، أنه لا يتوقع نهاية قريبة للحرب، إذ ربط بشكل مباشر بين احتمال تراجع أسعار النفط وبين موعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر، معلناً أن الأسعار "ستنخفض بشدة" بعد الانتخابات مباشرة، قبل أن يستدرك بأن الأمر قد يستغرق وقتاً أطول قليلاً من ذلك الموعد.
وعلى الأرض، لم يكن هرمز الجبهة الوحيدة. ففي منتصف سبتمبر 2026 أعلنت السلطات السعودية توقف خط أنابيب "شرق-غرب" الحيوي مؤقتاً إثر استهدافه بطائرة مسيّرة، وهو الخط الذي كان يمثل شريان الحياة البديل الذي يتيح للمملكة تصدير نفطها عبر البحر الأحمر بعيداً عن هرمز. توقف هذا الخط، ولو مؤقتاً، هدد بتعطيل ما يصل إلى 4% من إمدادات النفط العالمية بضربة واحدة. وفي اليوم نفسه تقريباً، بثّ الإعلام الرسمي السعودي مشاهد لأضرار لحقت بمنازل ومسجد في منطقة جازان جراء ما وُصف بهجوم للحوثيين، فيما أعلنت الجماعة اليمنية استهداف قاعدة عسكرية سعودية في منطقة مجاورة.
وفي المياه ذاتها، تعرضت سفينة داخل مضيق هرمز لمقذوف أدى إلى اندلاع حريق فيها واضطرار طاقمها إلى الإجلاء، بحسب ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية المختصة برصد الحوادث الملاحية في المنطقة. وأعلنت طهران في اليوم نفسه مقتل أحد أفراد طاقم سفينة تجارية إيرانية وإصابة أربعة آخرين في هجوم قبالة سواحلها. وفي مؤشر على تعقّد المشهد الدبلوماسي، كتب وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي أن اجتماعاً كان من المفترض أن يجمع دول الخليج وإيران في مسقط لبحث وضع المضيق قد تأجل، دون أن يوضح إلى متى.
جنوباً، أضاف وصول مقاتلي الحوثي المدعومين من إيران إلى جزيرة "بريم" الاستراتيجية عند مدخل باب المندب بُعداً جديداً للأزمة، إذ أصبح الممرّان الأهم لتجارة النفط في المنطقة -هرمز وباب المندب- مهددين في وقت واحد. وهذا التفصيل بالذات هو ما سينقل الأزمة من كونها "مشكلة خليجية" إلى كونها مشكلة مصرية بامتياز، لأن باب المندب هو بوابة العبور نحو قناة السويس، شريان مصر المالي الأهم. وهذا بالضبط ما ستحكيه الحلقة التالية.
اقرأ أيضاً:
ما رأيك في هذا الخبر؟