"الخبر لايف" يفتح الملف الشائك .. قبل أن تتحول التحديات إلى أزمة
الأرقام الحقيقية: كم مهاجراً في مصر؟ ولماذا تتضارب الإحصاءات؟
في صدارة الدول العربية.. مصر تسجل أعلى عدد من المهاجرين
نحو 9 ملايين مهاجر في مصر يمثلون قرابة 9% من السكان
فجوة إحصائية تتجاوز 7.8 مليون بين البيانات الرسمية والتقديرات الدولية
غياب قانون موحد للجوء أحد أبرز أسباب تضارب الأرقام
عدم وجود مخيمات والاندماج المجتمعي للمهاجرين يعرقل الوصول إلى أرقام دقيقة
133 جنسية على أرض مصر.. السودانيون في المقدمة والسوريون بالمركز الثاني
زيادة 50% في أعداد المهاجرين خلال 4 سنوات فقط
80 % من المهاجرين يتركزون في 5 محافظات أبرزها القاهرة والجيزة
إعداد: د. محمد غالي
تستيقظ مصر كل صباح على واقع ديموغرافي غير مسبوق في تاريخها الحديث: تسعة ملايين إنسان يعيشون على أراضيها من خارج حدودها، يمثلون ما يقارب ٩٪ من إجمالي سكانها البالغ نحو مئة مليون نسمة. رقم ضخم يفوق مجموع سكان دول بأكملها، لكنه رقم ملتبس، متنازع عليه، وتتعدد مصادره وتتباين تقديراته بشكل يثير التساؤل: من الذي يحصي هؤلاء؟ وكيف؟ وهل تعرف الدولة المصرية فعلاً حجم ما تواجهه؟

الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع
تشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن إجمالي المهاجرين في مصر يبلغ 9,012,582 شخصاً وفق بيانات عام 2022.
في المقابل، تسجل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) نحو 1,200,000 لاجئ وطالب لجوء مسجلين رسمياً حتى أبريل 2024.
ثمة فجوة صارخة بين رقمين: الأول يقدمه مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في القاهرة، ويبلغ ١.٢ مليون لاجئ وطالب لجوء مسجل رسمياً حتى أبريل ٢٠٢٤.
أما الثاني فتقدمه المنظمة الدولية للهجرة (IOM) في أحدث دراساتها، ويتحدث عن ٩ ملايين و١٢ ألفاً و٥٨٢ مهاجراً دولياً يعيشون على الأراضي المصرية، أي ما يعادل ٩٪ تقريباً من السكان المصريين.
هذه الفجوة — التي تبلغ نحو ٧.٨ مليون شخص — ليست خطأ في الحساب، بل هي انعكاس لطبيعة الظاهرة ذاتها: معظم المهاجرين في مصر لا يقيمون في مخيمات ولا يسعون إلى تسجيل رسمي، بل ينخرطون مباشرة في نسيج المدن المصرية، ويعيشون حياة موازية خارج الإطار الرسمي للدولة.

من أين يأتون؟ توزيع الجنسيات داخل مصر
تشير البيانات إلى أن السودانيين يتصدرون قائمة المهاجرين في مصر، حيث يبلغ عددهم المسجلين لدى المفوضية نحو 500 ألف شخص، بينما تشير التقديرات الفعلية إلى وجود ما بين 3 إلى 4 ملايين سوداني، بما يمثل نسبة تتراوح بين 33% و44% من إجمالي المهاجرين.
أما السوريون فيبلغ عدد المسجلين منهم 156,387 شخصاً، بينما تصل التقديرات الفعلية إلى ما بين 750 ألفاً ومليون شخص، أي ما نسبته 8% إلى 11%.
ويُقدّر عدد مهاجري جنوب السودان بنحو 41 ألف مسجل، مقابل 120 ألفاً تقريباً في الواقع، بنسبة تقارب 1.3%.
كما يبلغ عدد الإريتريين المسجلين 35 ألفاً، مقابل نحو 90 ألفاً فعلياً بنسبة تقارب 1%.

ويبلغ عدد الإثيوبيين المسجلين 17,516 شخصاً، بينما تصل التقديرات إلى نحو 60 ألفاً بنسبة 0.7%.
أما اليمنيون فيبلغ عدد المسجلين منهم 8,447 شخصاً، بينما تشير التقديرات إلى أكثر من 400 ألف شخص، بما يمثل نحو 4.4%.
ويبلغ عدد الصوماليين المسجلين 7,373 شخصاً مقابل نحو 30 ألفاً فعلياً بنسبة 0.3%.
كما يبلغ عدد العراقيين 5,562 مسجلاً مقابل نحو 20 ألفاً بنسبة 0.2%.
أما الليبيون فلا تتوفر بيانات دقيقة عن المسجلين، بينما تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 500 ألف ليبي في مصر بما يعادل نحو 5.5% من إجمالي المهاجرين.
وتضم مصر أيضاً جنسيات أخرى تتجاوز 54 جنسية مختلفة بأعداد متفرقة ضمن النسبة المتبقية من الإجمالي.

لماذا تتضارب الأرقام؟ أسباب بنيوية
السبب الأول: غياب التشريع الوطني الخاص باللجوء.
لا يوجد حتى الآن قانون مصري موحد يحدد المركز القانوني للاجئين ويلزم بتسجيلهم. أحالت الحكومة مشروع قانون للجوء إلى مجلس النواب، لكنه لم يصدر بعد. في غياب هذا القانون، تبقى عملية التسجيل طوعية وتديرها المفوضية الأممية بمفردها بموجب مذكرة تفاهم عمرها ١٩٥٤.
السبب الثاني: النموذج المصري الفريد في الاستضافة.
اختارت مصر — منذ البداية — ألا تُقيم مخيمات للاجئين. بدلاً من ذلك، يندمج الوافدون في المدن، ويسكنون بجوار المصريين في القاهرة والجيزة والإسكندرية. هذا النموذج الإنساني المتقدم يجعل الإحصاء شبه مستحيل بالأدوات التقليدية.

السبب الثالث: تداخل فئات المهاجرين.
تشمل الأرقام الكبيرة مهاجرين اقتصاديين وعمالة وافدة ولاجئين وطالبي لجوء وأفراداً في أوضاع مؤقتة، وكل فئة لها مصدر بيانات مختلف، وجهة مسؤولة مختلفة، وتعريف قانوني مختلف.
“هناك جنسيات كثيرة غير مسجلة ولا يمكنها الوصول إلى عملية التسجيل، مما يعني أن الرقم الفعلي أكبر بكثير مما تظهره إحصاءات المفوضية”— د. دينا عبد الفتاح، أستاذة الاقتصاد، الجامعة الأمريكية بالقاهرة — CNN بالعربي، سبتمبر ٢٠٢٥

التطور التاريخي: من ٦ ملايين إلى ٩ ملايين في أربع سنوات ( +50% )
ارتفاع عدد المهاجرين خلال ٤ سنوات فقط من ٦ مليون (٢٠١٨) إلى ٩+ مليون (٢٠٢٢)
في عام ٢٠١٨ كان إجمالي المهاجرين في مصر يبلغ نحو ٦ مليون شخص، وبحلول عام ٢٠٢٢ ارتفع الرقم إلى ٩.٠١ مليون. ثم جاءت أزمة السودان في أبريل ٢٠٢٣ لتُضاف إليهم ١.٥ مليون سوداني وافد جديد وفق بيانات ممثلة UNHCR في مصر حنان حمدان، دون احتساب السودانيين المقيمين أصلاً.
متوسط مدة الإقامة للمهاجرين الحاليين في مصر ١١.٢ سنة وفق دراسة المنظمة الدولية للهجرة، وهو رقم يكشف أن ظاهرة الهجرة إلى مصر ليست حدثاً طارئاً بل تحولاً ديموغرافياً هيكلياً متجذر.

التوزيع الجغرافي: مصر الكبرى تستوعب الغالبية
يتركز نحو ٨٠٪ من المهاجرين في خمس محافظات فقط: القاهرة، الجيزة، الإسكندرية، الدقهلية، ودمياط. وداخل القاهرة الكبرى تحديداً، باتت بعض المناطق تشهد تحولات ديموغرافية لافتة، إذ تضم أحياء مثل العجوزة والمهندسين وعين شمس تجمعات سكانية سودانية وسورية كثيفة أفرزت اقتصاداً موازياً خاصاً بها.

المقارنة الإقليمية: مصر الأولى عربياً في استضافة اللاجئين
✦ مصر تستضيف ٩ مليون مهاجر مقابل ٣.٥ مليون في الأردن (٣٤٪ من سكانها) و١.٥ مليون في لبنان (٢٥٪ من سكانها)
✦ لكن النسبة المئوية من السكان في مصر (٩٪) أقل من الأردن ولبنان، مما يعطي الظاهرة بُعداً مختلفاً
✦ مصر تستضيف أكبر عدد بالأرقام المطلقة بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
✦ ٨٦٪ من لاجئي العالم تستضيفهم دول متوسطة وفقيرة الدخل وفق إحصاءات UNHCR العالمية
✦ إجمالي النازحين قسراً عالمياً تجاوز ١١٤ مليون شخص بنهاية ٢٠٢٣ — مستوى قياسي غير مسبوق
تابعوا الحلقة الثانية: الأعباء الاقتصادية — كم تكلف مصر هذه الاستضافة؟