" ملامح مستقبل ملف الهجرة في مصر بين ضغوط متزايدة وخيارات محدودة. ويطرح تساؤلات حول استمرار الاستضافة أو الاتجاه إلى التقنين والشراكات الدولية. ويخلص إلى ضرورة تبني استراتيجية وطنية شاملة بدعم دولي عادل.
" يرصد سيناريوهات مستقبل ملف الهجرة بين الاستمرار والتقنين والشراكات
بعد أن رصد "
" في الحلقات الثلاث الماضية من التحقيق الاستقصائي "مصر والمهاجرون" الأرقام والأعباء الاقتصادية، إلى جانب الأبعاد الأمنية والاجتماعية لملف الهجرة في مصر، تتناول الحلقة الرابعة السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا تريد مصر حقًا؟ هل تسعى إلى الاستمرار في دور الدولة المستضيفة بلا حدود، أم تتجه نحو إعادة صياغة عقد جديد مع المجتمع الدولي يضمن توزيعًا عادلًا للأعباء؟ والأهم، هل توجد استراتيجية وطنية شاملة تحدد المسار وتضبط الأولويات؟
تتبنى السياسة الخارجية المصرية خطاباً ذا مستويين: الأول يؤكد الالتزام الكامل بالاتفاقيات الدولية للاجئين (اتفاقية 1951، بروتوكول 1967، الاتفاقية الأفريقية 1969)، وبالدستور المصري الذي يُحرّم التمييز في مادته الـ 53. والثاني يُطالب بإعمال مبدأ التقاسم المنصف للأعباء المنصوص عليه في الميثاق العالمي بشأن اللاجئين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2018.
وفي هذا السياق، أطلقت مصر في نوفمبر 2021 المنصة المشتركة للمهاجرين واللاجئين كآلية ابتكارية لتعزيز التنسيق الدولي وتعبئة الموارد، وهي المنصة الأولى من نوعها في المنطقة التي تجمع الحكومة والأمم المتحدة وشركاء التنمية والجهات المانحة في إطار موحد.
114 مليون نازح قسري حول العالم
مستوى قياسي بنهاية 2023
86 % منهم في دول متوسطة وفقيرة
يعكس الاختلال العالمي في توزيع الأعباء 14 % فقط في الدول الغنية
حيث تستضيف دول G7 أقل الأعداد مقارنة بقدراتها
36.7 % فقط من ميزانية UNHCR مصر مُموَّل من أصل 151.4 مليون دولار مطلوبة

هذه الأرقام تكشف عن خلل هيكلي عميق في منظومة الاستجابة الدولية للاجئين: 86 % من اللاجئين يعيشون في دول تعاني أصلاً من ضائقة تنموية واقتصادية، بينما تستضيف الدول الأغنى والأقدر على التحمل أقل من 14 %. ومصر — بكل التزاماتها الإنسانية — تعمل في ظل هذا الخلل يومياً.
لذلك، يتصدر أجندة السياسة الخارجية المصرية في المحافل الأممية المطالبةُ بتفعيل مبدأ التقاسم المنصف للأعباء، وبتعبئة موارد دولية حقيقية تُقابل الجهد المصري الهائل، لا أن تظل النسبة الممولة أقل من ثلث ما هو مطلوب.
وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون للجوء يُعد نقطة تحول تشريعية مهمة في تاريخ مصر مع هذه الظاهرة. فلأول مرة، ستُحدد مصر في قانون وطني خاص المركز القانوني للاجئين، وليس فقط بالاستناد إلى الاتفاقيات الدولية.
مشروع القانون يُلزم اللاجئين وطالبي اللجوء بتوفيق أوضاعهم خلال سنة من تاريخ العمل باللائحة التنفيذية، وهو إجراء يهدف إلى تقنين الأوضاع وحصر الأعداد الحقيقية، كما يضع إطاراً قانونياً لعلاقة الدولة بالمهاجرين يحدد الحقوق والالتزامات بصورة واضحة.
"بدأت الحكومة المصرية إجراء تقنين أوضاع اللاجئين والمهاجرين لحصر أعدادهم ومعرفة ما تتحمله الحكومة مقابل ما يتم تقديمه من خدمات" — د. محمد حربي، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، يوليو 2024
أحد أبرز الأدوات السياسية الناجحة في إدارة ملف الهجرة هو مشروع THAMM (نحو مقاربة شاملة لحوكمة هجرة الأيدي العاملة في شمال أفريقيا)، الذي انضمت مصر إليه عام 2019 بتمويل من الاتحاد الأوروبي والتعاون الألماني.
تنبثق أهمية هذا المشروع من كونه يحوّل هجرة الشباب المصري من ظاهرة غير نظامية خطيرة إلى قناة شرعية ومُنظمة تُوفر عمالة مُدرَّبة لأوروبا في قطاعات تحتاجها، وتضمن حقوق العمال المصريين في الوقت ذاته. وتستفيد من المشروع وزارات التعليم والتعليم العالي والقوى العاملة والتضامن والهجرة، وقد انتهت مرحلته الأولى في أكتوبر 2024 ويجري التحضير لإطلاق مرحلته الثانية THAMM PLUS خلال 2024.

المحتوى: استمرار الاستضافة دون إطار تشريعي أو تمويل كافٍ
الشروط اللازمة: لا شيء — هو الوضع الحالي
التقييم: غير مستدام على المدى البعيد
المحتوى: إصدار قانون اللجوء وتسجيل كل المهاجرين
الشروط اللازمة: إرادة سياسية + دعم لوجستي دولي
التقييم: الأكثر واقعية وعقلانية
المحتوى: صفقة كاملة مع الاتحاد الأوروبي: تمويل مقابل ضبط الهجرة
الشروط اللازمة: مفاوضات سياسية معقدة
التقييم: جزئياً مُطبَّق بالفعل عبر THAMM
السيناريو الرابع: الحلول الجذرية الإقليمية
المحتوى: التحرك لإنهاء الأزمات المولِّدة للهجرة (سوريا، السودان، ليبيا)
الشروط اللازمة: تسويات سياسية إقليمية دولية
التقييم: الأصعب تحقيقاً لكن الأنجع بعيد المدى.

◆ توصيات عاجلة — ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
✦ ١. الإسراع في إصدار قانون اللجوء الوطني وبدء عملية التسجيل الشاملة خلال ١٨ شهراً
✦ ٢. إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تجمع بيانات UNHCR وIOM والجهات الوطنية
✦ ٣. المطالبة في المحافل الدولية بمضاعفة حصة مصر من تمويل UNHCR العالمي
✦ ٤. إطلاق المرحلة الثانية من THAMM PLUS وتوسيع نطاقها لتشمل 100.000 مهاجر شرعي سنوياً
✦ ٥. وضع حزمة خدمات متمايزة للاجئين في التعليم والصحة وتوثيق تكلفتها لعرضها على الممولين الدوليين
✦ ٦. تكثيف التعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجال ضبط الحدود ومكافحة تهريب البشر
✦ ٧. التفاوض على صفقة دعم مالي أوروبي مشابهة لما حصلت عليه تونس والمغرب
✦ ٨. إطلاق برنامج وطني للتوعية المجتمعية لمواجهة الخطاب العنصري وتعزيز التعايش
✦ ٩. تفعيل الاستراتيجية الوطنية 2016 - 2026 بمراجعة منتصف المدة وتحديث الأهداف
✦ ١٠. الدفع بمبادرة إقليمية عربية-أفريقية لمعالجة الأسباب الجذرية للنزوح في السودان وليبيا وسوريا
تجلس مصر في قلب واحدة من أعقد أزمات الهجرة في تاريخ المنطقة. محاطةٌ بجغرافيا تنزّ نزاعات من كل اتجاه — السودان من الجنوب، وليبيا من الغرب، وسوريا وفلسطين من الشمال الشرقي — تجد مصر نفسها في موقع المستضيف الاضطراري والاختياري معاً. ليس فقط بدافع الالتزامات الدولية، بل بقوة الرابط الإنساني العربي والأفريقي الذي يجعل إغلاق الحدود أمام الأشقاء خياراً غير مطروح.
لكن الكرم وحده لا يكفي استراتيجية للمستقبل. مصر تحتاج إلى عقد دولي جديد، يُقرّ فعلاً — لا قولاً — بأن استضافة 9 ملايين مهاجر بنسبة تمويل لا تتجاوز 36 % من الاحتياج هو ظلم صريح يجب معالجته. ومصر تحتاج أيضاً إلى استراتيجية وطنية شاملة تُحوّل هذه الأعباء الضخمة إلى فرص تنموية مستدامة، وتُحسن أوضاع المهاجرين والمصريين معاً في آنٍ واحد.
الحلقات الأربع من هذا التحقيق الاستقصائي رصدت الأرقام والاقتصاد والأمن والسياسة. والصورة التي ظهرت في نهاية المطاف هي صورة دولة تحمل فوق طاقتها بنبل حقيقي، لكنها في أمسّ الحاجة إلى شريك دولي صادق يوفي بالتزاماته.
المصادر: وزارة الخارجية المصرية | المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية | CNN بالعربي | UNHCR مصر | المنظمة الدولية للهجرة IOM
ما رأيك في هذا الخبر؟