السفارات الإيرانية على "إكس": منصة دبلوماسية أم ساحة حرب رقمية؟
في تطور لافت، كشفت تحليلات حديثة عن استغلال السفارات الإيرانية لمنصة "إكس" (تويتر سابقاً) كساحة جديدة لتعزيز رسائلها المناهضة للولايات المتحدة، وذلك في إطار ما يمكن وصفه بـ"حرب السرديات" التي تدور رحاها بالتوازي مع الصراعات العسكرية التقليدية. وبينما تتواصل المواجهات في الجو عبر الطائرات المسيرة والصواريخ، يبدو أن جبهة رقمية لا تقل ضراوة قد فُتحت على منصات التواصل الاجتماعي، تسعى من خلالها طهران لتشكيل الرأي العام والتأثير على السرديات الدولية. وقد أشارت التقارير إلى أن هذه البعثات الدبلوماسية، التي يفترض أن تمثل قنوات للتواصل السلمي، تستخدم حساباتها الرسمية لنشر محتوى يدعم سياسات إيران الخارجية العدائية، ويوجه انتقادات حادة للسياسات الأمريكية في المنطقة والعالم.
تأتي هذه الحرب الرقمية في سياق تاريخ طويل من التوتر بين طهران وواشنطن، يعود بجذوره إلى عقود مضت، وتصاعد بشكل ملحوظ بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وإعادة فرض العقوبات. لقد شهدت العلاقة بين البلدين فترات من المواجهة المباشرة وغير المباشرة، من خلال دعم أطراف متنافسة في صراعات إقليمية متعددة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان. وفي ظل غياب القنوات الدبلوماسية المباشرة الفعالة، أصبحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أدوات حيوية لكلا الجانبين لتوصيل رسائلهما والتحشيد لدعم مواقفهما، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة الصراعات المعاصرة لتشمل الأبعاد المعلوماتية والنفسية.
تثير هذه الممارسات تداعيات خطيرة على صعيد العلاقات الدولية وعلى مصداقية العمل الدبلوماسي برمته. فاستخدام السفارات، التي هي رمز للسلام والتعاون، كأدوات لنشر رسائل حرب أو دعاية تحريضية، يمكن أن يقوض أي جهود محتملة لتهدئة التوترات أو بناء جسور للتفاهم. كما يضع هذا الأمر منصات التواصل الاجتماعي أمام تحدٍ كبير بشأن مسؤوليتها في مكافحة المحتوى الذي يحرض على الكراهية أو العنف أو يدعم أجندات تتنافى مع مبادئ السلام الدولي. وقد تستهدف هذه الرسائل جمهوراً واسعاً، من المواطنين الإيرانيين إلى الجاليات في الخارج، وحتى صناع القرار والجمهور الغربي، في محاولة لتشويه صورة الولايات المتحدة وتبرير سياسات إيران.
على الصعيد الإقليمي والدولي، ينظر العديد من الدول، خاصة في منطقة الخليج وإسرائيل، بقلق بالغ إلى هذه التكتيكات الإيرانية. فالدعاية التي تروج للصراع يمكن أن تزيد من حدة الاستقطاب الإقليمي وتعيق مساعي الاستقرار. وفي المقابل، قد تجد الولايات المتحدة وحلفاؤها أنفسهم مضطرين لتكثيف جهودهم المضادة على هذه المنصات لمواجهة الروايات الإيرانية، مما يفتح الباب أمام دورة لا نهائية من "حرب المعلومات". ويطرح هذا الواقع تساؤلات ملحة حول مدى قدرة المجتمع الدولي على وضع أطر تنظيمية للحد من استغلال الدول لمنصات التواصل الاجتماعي لأغراض تتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى التحريض العلني.
في الختام، يؤكد هذا التحول في ساحات الصراع على الأهمية المتزايدة للفضاء الرقمي كجبهة حاسمة في النزاعات الحديثة. ومع استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة، يبدو أن معركة السرديات على منصات مثل "إكس" ستظل جزءاً لا يتجزأ من الصراع الأوسع، مما يتطلب يقظة مستمرة وتفكيراً عميقاً في كيفية إدارة هذه الجبهة الجديدة من الحرب الدبلوماسية.
ما رأيك في هذا الخبر؟