في تصعيد عسكري لافت، كشف الجيش الإسرائيلي السبت عن شنه لأكثر من 85 غارة جوية على أهداف تابعة لحزب الله في جنوب لبنان. وقد استهدفت هذه الضربات المكثفة، التي جاءت في ساعات مبكرة من صباح السبت، مخازن أسلحة ومنصات إطلاق صواريخ ومنشآت عسكرية متعددة، وفقاً للبيان الصادر عن الجيش الإسرائيلي. وتأتي هذه العملية الواسعة في سياق المواجهة المستمرة بين الجانبين على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، وتُعد من أكبر العمليات الجوية التي نفذتها إسرائيل ضد أهداف لحزب الله منذ اندلاع الأحداث في السابع من أكتوبر الماضي.
تأتي هذه الغارات المكثفة على وقع تصاعد مستمر للتوترات عبر الحدود اللبنانية الإسرائيلية منذ بداية الحرب في غزة. فقد شهدت المنطقة تبادلاً شبه يومي لإطلاق النار، شمل قصفاً مدفعياً وصاروخياً من جانب حزب الله، وردوداً إسرائيلية بغارات جوية وقصف مدفعي. وتبرر إسرائيل عملياتها بأنها تستهدف البنية التحتية العسكرية لحزب الله، بهدف إبعاد تهديد مقاتليه عن حدودها الشمالية وتأمين المستوطنات الإسرائيلية. في المقابل، يؤكد حزب الله أن عملياته تأتي دعماً للمقاومة الفلسطينية في غزة ورداً على "الاعتداءات الإسرائيلية" على الأراضي اللبنانية والسيادة الوطنية.
تثير هذه العمليات العسكرية مخاوف جدية من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى حرب إقليمية شاملة. فالتصعيد الأخير يهدد بجر لبنان إلى مواجهة مدمرة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة. وقد أدت الاشتباكات المتواصلة بالفعل إلى نزوح عشرات الآلاف من المدنيين من المناطق الحدودية في جنوب لبنان وشمال إسرائيل. وبينما يسعى المجتمع الدولي إلى احتواء التوتر، يبقى حزب الله ورقة ضغط إقليمية، مدعوماً من إيران، مما يعقد أي جهود للتهدئة أو التوصل إلى حل سياسي دضمن. وتبقى ردة فعل حزب الله على هذه الغارات الواسعة محط ترقب، وقد تكون مفتاحاً لمسار الأحداث القادمة.
على الصعيد الدولي، تتواصل المساعي الدبلوماسية الرامية إلى منع انزلاق المنطقة نحو حرب أوسع. فقد كثفت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها الخاص، جهودها لإيجاد صيغة للتهدئة تضمن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي يدعو إلى انسحاب القوات المسلحة غير الحكومية من جنوب الليطاني. غير أن هذه الجهود لم تسفر حتى الآن عن نتائج ملموسة، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه وشروطه. وتخشى العديد من العواصم الأوروبية والعربية من تداعيات أي مواجهة شاملة على استقرار المنطقة برمتها، بما في ذلك أمن الملاحة في البحر الأحمر وإمدادات الطاقة العالمية.
يبقى المشهد في جنوب لبنان على حافة الهاوية، مع مؤشرات متزايدة على تصعيد محتمل في الفترة القادمة. ورغم الدعوات المتكررة للتهدئة، فإن طبيعة الصراع المتشابكة والمصالح الإقليمية المتضاربة تجعل من الصعب التكهن بمسار الأحداث، ويبقى المدنيون هم الضحية الأولى لهذا التوتر المتصاعد.